يشهد سوق الذهب والفضة في مصر والمنطقة العربية تقلبات حادة وغير مسبوقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذه المعادن الثمينة كأداة استثمارية وملاذ آمن، ففي غضون 24 ساعة فقط، شهدت الأسعار المحلية والعالمية للذهب تذبذبات وصلت إلى 1000 جنيه مصري للجرام، مما أثار حالة من الارتباك والقلق بين المستثمرين والأفراد.

فوضى في السوق المحلي والعالمي
وصل سعر الذهب في السوق المحلي المصري إلى ما يقرب من 7.500 جنيه ، ثم شهد انخفاضًا مفاجئًا في غضون يوم واحد، وقد أدى هذا التذبذب إلى توقف السوق المحلي عن تسعير الذهب في بعض الأحيان، مع وجود فروقات كبيرة بين السعر المحلي والسعر العالمي.
ورغم هذه الفوضى، لا يزال الأفراد يتوافدون على المحلات لشراء الذهب، مدفوعين بالخوف من فوات الفرصة أو الرغبة في إعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية.
تحليل الخبير الاقتصادي أحمد فهيم
في حوار خاص، قدم المحلل الاقتصادي أحمد فهيم رؤيته حول هذه التقلبات، مشيرًا إلى أن ما يحدث هو عكس ما كان يفعله الآباء والأجداد الذين لم يكونوا يركزون على شراء الذهب بكميات كبيرة.
وأوضح فهيم أن الدين الأمريكي أعلى من القوة الشرائية للذهب عالميًا، مما يشير إلى أن ما يحدث قد يكون جزءًا من خطة أكبر.
هل نحن أمام إعادة تشكيل محافظ استثمارية أم هلع جماعي؟
في هذا السياق، أكد فهيم، أن ما يحدث يتجاوز قدرة الأفراد أو حتى التجار التقليديين على الاستيعاب، موضحًا أن السوق يعيش حالة “تفوق الموجة على السباح”، حيث أصبحت حركة الذهب أسرع وأعنف من أي أدوات تحليل تقليدية.
وأوضح فهيم أن الاندفاع الحالي ليس نابعًا من منطق استثماري متوازن، بل من الخوف من تفويت الفرصة (FOMO)، وهو ما يدفع الأفراد إلى ضخ كامل مدخراتهم في الذهب دفعة واحدة، في سلوك يخالف تمامًا ما كانت تفعله الأجيال السابقة، التي كانت تحجم عن الشراء عند الارتفاع.
تساؤلات حول صمت القادة العالميين:
أثار فهيم تساؤلاً حول صمت القادة العالميين، بمن فيهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، عن الحديث عن الذهب، بينما تقوم البنوك المركزية حول العالم بشرائه بكميات كبيرة.
ويرى فهيم أن هذا الصمت قد يكون متعمدًا، بهدف دفع الأفراد للتخلي عن الذهب، لتتمكن البنوك من زيادة احتياطاتها من هذا المعدن الثمين.
من يربح ومن يدفع الثمن؟
بحسب فهيم، فإن الأفراد هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ يمتلكون النسبة الأكبر من الذهب المتداول فعليًا، وهو ما يجعلهم الهدف الأول لموجات الرفع والضغط السعري.
وأضاف أن ما حدث خلال يناير، حيث قفز الذهب عالميًا بنحو 1200 دولار في شهر واحد، يعادل مكاسب ستة أشهر كاملة في دورات سابقة، وهو ما يعد مؤشرًا غير صحي على الإطلاق، ويمهد لتصحيحات عنيفة.
الذهب كملاذ للسيولة:
أشار فهيم إلى أن الذهب، الذي كان يُعتبر ملاذًا آمنًا حتى عام 2024، قد تحول الآن إلى أداة لجمع السيولة، وهذا يعني أن السيولة تُضخ فيه لجذب الأفراد، ثم تُسحب فجأة، ويتم جني الأرباح من الفارق، وضرب مثالاً على ذلك بما حدث في الأسواق الآسيوية والأمريكية، حيث يتم تداول الذهب بكميات هائلة، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار.
الفضة: سم في العسل؟
تطرق فهيم أيضًا إلى سوق الفضة، واصفًا إياها بـ “السم في العسل”، فبينما يعتبر الذهب ملاذًا آمنًا يمكن الاحتفاظ به لعقود، فإن الفضة معدن صناعي تعتمد قيمته على النمو الاقتصادي.
وأوضح أن الفضة تشهد تقلبات عنيفة، ويمكن للمؤسسات الكبرى التلاعب بأسعارها بسهولة أكبر من الذهب.
وحذر من شراء الفضة بكميات كبيرة، مشيرًا إلى أن التجار في مصر لا يحتفظون بالفضة كجزء من رؤوس أموالهم، مما يدل على مخاطرها.
نصائح للمستثمرين
قدم فهيم عدة نصائح للمستثمرين في ظل هذه الظروف المتقلبة:
•التنويع: لا يجب وضع كل الأموال في الذهب أو الفضة. يجب أن يشكل الذهب حوالي 30% من المحفظة الاستثمارية، مع تخصيص أجزاء أخرى للأسهم والسندات والمشاريع.
•الشراء بالتقسيط: بدلاً من شراء كميات كبيرة دفعة واحدة، يفضل الشراء بالتقسيط على مدار العام، مما يقلل من مخاطر التقلبات الحادة.
•الخروج الذكي: في حال تحقيق أرباح متتالية، ينصح بالخروج من جزء من الاستثمار لجني الأرباح، ثم إعادة الدخول عند تراجع الأسعار.
•تجنب الطمع: حذر فهيم من الطمع غير المبرر، مشيرًا إلى أن السعي وراء الربح السريع قد يؤدي إلى خسائر فادحة.
•الاستناد إلى مصادر موثوقة: دعا إلى عدم الانسياق وراء الشائعات والتكهنات، والاعتماد على التحليلات الاقتصادية الموثوقة.
يتوقع فهيم أن يستمر الذهب في موجته الصعودية، ولكن بشكل عقلاني، مع موجات تصحيحية لتشكيل مراكز شراء قوية.
ويرى أن الأهداف الطبيعية للذهب، دون جنون، تتراوح بين 5000 و 5500 و 6000 جنيه.
وشدد على أهمية الصبر والتعامل مع السوق خطوة بخطوة، مع الاستفادة من كل فترة خلال العام.
تحذير من سياسة البيع بخسارة
حذر فهيم بشدة من سياسة البيع بخسارة لشراء المزيد، واصفًا إياها بأسوأ سياسة يمكن اتباعها، ونصح المستثمرين بالصبر في حال تعرضهم لخسائر، وعدم الانسياق وراء النصائح التي تدعو إلى البيع عند الانخفاض، لأن ذلك قد يؤدي إلى خسائر أكبر.
وأكد أن الذهب، مثل أي استثمار، يتطلب فهمًا عميقًا للسوق وصبرًا لتحقيق الأرباح على المدى الطويل.
يشهد سوق الذهب والفضة فترة من التقلبات الشديدة التي تتطلب حذرًا ووعيًا من المستثمرين، وبينما يظل الذهب ملاذًا آمنًا على المدى الطويل، فإن التعامل معه يتطلب استراتيجية واضحة وتجنب الطمع. أما الفضة، فرغم جاذبيتها في بعض الأحيان، إلا أنها تحمل مخاطر أكبر بسبب طبيعتها الصناعية وتقلباتها العنيفة.
وتبقى النصيحة الأهم هي التنويع، والشراء بالتقسيط، والاعتماد على التحليلات الاقتصادية الموثوقة، والصبر لتحقيق الأهداف الاستثمارية.