مع تجاوز سعر الذهب مستوى 5000 دولار للأوقية، لم تعد موجة الارتفاع القياسية تعيد تشكيل المحافظ الاستثمارية فقط، بل بدأت أيضًا تغيّر ملامح الاقتصاد الإجرامي في بعض مناطق العالم، وعلى رأسها كولومبيا، حيث أصبحت الجماعات الإجرامية تركّز جهودها بشكل متزايد على المعدن النفيس، وفقًا لتقرير نشرته بزنس إنسايدر الأمريكية.

تقول جوليا يانسورا Julia Yansura، مديرة برنامج الجرائم البيئية والتمويل غير المشروع في FACT Coalition بواشنطن، إن الحديث يدور عن “مليارات ومليارات الدولارات سنويًا من الأموال القذرة” المرتبطة بتجارة الذهب غير القانونية، مشيرة إلى أن منظمتها تتابع مسارات دخول هذه الأموال إلى الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات التجارة التابعة للأمم المتحدة، صدّرت كولومبيا في عام 2024 ما قيمته 4.1 مليار دولار من الذهب، استوردت الولايات المتحدة منها نحو 1.5 مليار دولار، ما يجعل السوق الأمريكية أكبر وجهة منفردة للذهب الكولومبي. ويرى محللون ومسؤولون أن هذا التدفق يربط الأسواق الأمريكية مباشرة بازدهار اقتصادي جديد داخل عالم الجريمة في كولومبيا.
وتقول يانسورا:“بصفتها الوجهة الأولى للذهب الكولومبي، فإن الولايات المتحدة جزء من هذه المعادلة”.
وخلال شهري مايو ويوليو، زار صحفيو Business Insider عددًا من مناجم الذهب في كولومبيا، والتقوا عمّال المناجم وفرق الإنقاذ ومحللي السياسات، في محاولة لفهم كيف جعلت الأسعار القياسية الذهب أكثر الصناعات غير المشروعة ربحية في البلاد، وإلى أي مدى يتجه هذا الذهب في نهاية المطاف إلى الأسواق الشمالية.
الذهب يتجاوز الكوكايين في أرباح الجريمة
على مدى عقود، شكّل الكوكايين العمود الفقري للاقتصاد الإجرامي في كولومبيا، حيث موّلت تجارة المخدرات الجماعات المسلحة ووجّهت سياسات المكافحة الأمريكية، كما صُممت أنظمة مكافحة غسل الأموال في الولايات المتحدة أساسًا لتعقّب عائدات المخدرات داخل النظام المصرفي.
لكن هذا الواقع تغيّر في السنوات الأخيرة.
تقول يانسورا:“يمكننا القول دون أي جدل إن التعدين غير القانوني للذهب يحقق اليوم للجريمة المنظمة أموالًا أكثر من تجارة المخدرات”.
وتضيف أن أسعار الكوكايين شهدت حالة ركود نسبي بسبب الإفراط في الإنتاج في كولومبيا ودول أخرى، بينما ارتفعت قيمة الذهب بقوة، ما دفع الجماعات الإجرامية إلى إعادة حساباتها الاقتصادية.
وبعبارة بسيطة: “المجرمون يرون أين توجد الأموال السهلة… ويتجهون إليها”.
ومع ذلك، لا يعني ذلك اختفاء الكوكايين من المشهد.
يوضح Felipe Botero Escobar، مدير المكتب الإقليمي لمنطقة الأنديز في Global Initiative Against Transnational Organized Crime، أن الشبكات الإجرامية الحديثة لم تعد تعتمد على سلعة واحدة.
ويقول:“نشهد اليوم شكلاً مختلفًا من الجريمة المنظمة في المنطقة”.
فبدلاً من السيطرة على سوق إجرامي واحد، تسعى هذه الشبكات إلى التحكم في منظومات إجرامية كاملة تجمع بين أنشطة قانونية وغير قانونية.
ويضيف بوتيرو:“ليس الأمر أن الذهب أصبح أفضل من الكوكايين، بل إنه أصبح مكمّلًا له”.
ففي كثير من الحالات، تُستخدم أرباح الكوكايين لتمويل عمليات التعدين غير القانونية، بينما يُستعمل الذهب الناتج عنها لاحقًا في تبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات.
ويشرح ذلك قائلًا:“تربح من الكوكايين، ثم تعيد الاستثمار في الذهب، ثم تحصل على أموال تبدو قانونية من بيع ذلك الذهب”.
لماذا يتحرك الذهب بسهولة أكبر من الكوكايين؟
الفرق الجوهري بين السلعتين بسيط: الكوكايين غير قانوني بطبيعته… أما الذهب فليس كذلك.
فإذا تم ضبط شخص في المطار بحقيبة مليئة بالكوكايين، فسيُعتقل فورًا.
أما إذا كان يحمل ذهبًا، فالوضع أكثر تعقيدًا، لأن المعدن نفسه سلعة قانونية في الأسواق العالمية.
وتقول يانسورا إن هذا الفرق يخفض كثيرًا من مخاطر النقل والتصدير، حتى عندما يكون الذهب مستخرجًا بشكل غير قانوني.
وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن جزءًا كبيرًا من الذهب الكولومبي يُصدّر عبر القنوات التجارية الرسمية، أي من خلال شحنات تجارية مسجلة لدى الجمارك ومرفقة بوثائق تصدير رسمية.
وبمجرد إدخال الذهب المستخرج بشكل غير قانوني في هذه الأوراق الرسمية، يصبح من الصعب التمييز بين الذهب القانوني وغير القانوني.
كما يتم غسل عائدات التعدين غير المشروع عبر شركات وهمية أو واجهة في كولومبيا والولايات المتحدة ودول أخرى.
وتوضح يانسورا:“لدينا مشكلة الشركات المجهولة الهوية… وهناك طرق عديدة لإخفاء من يقف فعليًا خلف هذه الشركات”.
ولهذا تضيف:“قد تعتقد أن الذهب غير المشروع يتم تهريبه… لكن في الواقع، جزء كبير منه يُصدّر وكأنه منتج قانوني تمامًا”.
أنظمة الرقابة صُممت للمخدرات لا للذهب
يرى بوتيرو أن أنظمة إنفاذ القانون الحالية متأخرة عن مواكبة هذا التحول.
فمعظم الأدوات الرقابية — من تتبع الحسابات البنكية إلى مراقبة المعاملات المشبوهة — صُممت أساسًا لمكافحة تجارة المخدرات.
ويقول:“لدينا نظام كامل من البنوك لمراقبة الأصول والحسابات والمعاملات المشبوهة… لكنه صُمم أساسًا لتجارة المخدرات”.
ونتيجة لذلك، تزداد احتمالات مرور الذهب غير المشروع عبر النظام المالي العالمي دون اكتشافه.
وفي تقرير حديث صادر عن World Wide Fund for Nature في المملكة المتحدة، شمل استطلاعًا لأكثر من 600 متخصص مالي في 22 دولة، تبيّن أن أكثر من 80% من المؤسسات المالية معرضة لمخاطر التعامل مع تعدين غير قانوني يشمل الذهب والكوبالت والتنغستن وغيرها من المعادن.
أما في الولايات المتحدة تحديدًا: أكثر من 90% من المؤسسات المالية معرضة لمخاطر التعدين غير القانوني
49% لا تقوم بفحص خاص لهذه المخاطر
47% لا تمتلك سياسات داخلية للتعامل معها
61% لا تقدم تدريبًا للموظفين بشأنها
وترى يانسورا أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تحركًا أكبر من الجانب الأمريكي، مضيفة: “القطاع المالي معرض بشكل كبير لهذه المخاطر، لكنه تلقى توجيهات قليلة جدًا من الجهات التنظيمية حول كيفية إدارتها”.
المخاطر الحقيقية في قلب المناجم
في الوقت الذي يستمر فيه الطلب العالمي على الذهب، يتحمل عمال المناجم المخاطر الأكبر.
في بلدة Marmato الواقعة في جبال الأنديز على ارتفاع نحو 1300 متر فوق سطح البحر، ينزل العمال إلى أعماق تصل إلى 600 متر تحت الأرض عبر أنفاق قديمة ومتهالكة.
يقود James Rotavista فريقًا يضم نحو 60 عاملًا في أحد هذه المناجم.
ويقول:“هناك دائمًا خطر الانهيارات الصخرية التي قد تسحق العمال”.
وعند استخدام المتفجرات لتفتيت الصخور، يمتلك العمال بضع دقائق فقط للهروب من الغازات السامة قبل العودة مجددًا إلى الأنفاق لنقل أكياس الصخور التي يصل وزنها إلى نحو 25 كيلوغرامًا.
وعندما تقع الحوادث، تتدخل فرق الإنقاذ.
يقول José Gallego، وهو عامل منجم سابق يعمل حاليًا في قسم الإطفاء التطوعي في البلدة:
“في مارماتو تحدث الحوادث كل يوم”.
ويضيف:“عندما لا نتمكن من إنقاذ حياة رغم كل جهودنا… فهذا يحطم قلوبنا”.

















































































