شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار النسبي خلال الفترة الأخيرة، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية واندلاع الحرب في إيران، في تطور يخالف القاعدة التقليدية التي تربط بين الأزمات وارتفاع المعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا.
وعلى الرغم من تسجيل الذهب مستوى تاريخيًا عند 5417.6 دولارًا للأوقية في 28 يناير 2026، إلا أن الأسعار لم تواصل صعودها مع بداية الحرب في 28 فبراير، بل تحركت في نطاق عرضي بين 5000 و5200 دولار، بعد أن لامست 5327 دولارًا في الأيام الأولى للأزمة.
عوامل معاكسة تحد من مكاسب الذهب
يرى محللون أن أداء الذهب الحالي يعكس تأثير عوامل اقتصادية أكثر قوة من التوترات الجيوسياسية، في مقدمتها قوة الدولار الأمريكي وارتفاع معدلات التضخم.
فمع صعود الدولار، ترتفع تكلفة شراء الذهب لحائزي العملات الأخرى، ما يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي. في الوقت نفسه، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما عزز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يقلل من جاذبية الذهب الذي لا يحقق عائدًا.
تصحيح بعد موجة صعود مبالغ فيها
في السياق ذاته، تشير التقديرات إلى أن السوق تشهد حاليًا مرحلة تصحيح بعد ارتفاعات حادة خلال الربع الأخير من 2025 وبداية العام الجاري، والتي تجاوزت في كثير من الأحيان الأساسيات الاقتصادية.
وقد انعكس هذا الارتفاع على الطلب الفعلي، حيث تراجع الطلب على المشغولات الذهبية إلى أدنى مستوياته في نحو 15 عامًا خلال الربع الرابع، كما أظهرت مشتريات البنوك المركزية تباطؤًا نسبيًا، مسجلة نحو 230 طنًا، وهو من أضعف المستويات خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ويرى خبراء أن جزءًا كبيرًا من موجة الصعود السابقة كان مدفوعًا بعمليات شراء اضطرارية من مستثمرين ومضاربين سعوا لتغطية مراكز خاسرة، ما ساهم في تضخيم الأسعار قبل أن تبدأ في التصحيح.
الفضة بين دعم هيكلي وضغوط اقتصادية
في المقابل، تواصل الفضة جذب اهتمام المستثمرين، وسط تباين في التوقعات بشأن مسارها المستقبلي.
ففي حين يرى بعض المحللين أن الطلب الصناعي، خاصة من قطاع الطاقة الشمسية، قد يدعم الأسعار على المدى الطويل وربما يدفعها إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا، يحذر آخرون من تأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف الطلب على المشغولات، ما قد يحد من مكاسب المعدن.
كما تبقى تحركات صناديق الاستثمار عاملاً حاسمًا، حيث قد يؤدي استمرار التخارج إلى تحول السوق من حالة عجز إلى فائض خلال العام الجاري.
آفاق حذرة للذهب في المدى القريب
وبالنظر إلى المستقبل، يتوقع محللون أن يظل الذهب تحت ضغوط نسبية في الأجل القصير، مع استمرار ضعف الطلب الفعلي وحذر البنوك المركزية، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات النقدية الأمريكية.
ومع ذلك، يبقى الذهب محتفظًا بدوره كأداة تحوط رئيسية في أوقات الأزمات.
ويرجح محللون أن يؤدي أي تراجع في حدة التوترات الجيوسياسية إلى انخفاض الدولار وأسعار النفط، وهو ما قد يفتح المجال أمام موجة صعود جديدة للذهب، إلا أن هذا السيناريو سيظل مرهونًا بمسار التضخم وقرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة.
تكشف تحركات الذهب الأخيرة أن الأسواق لم تعد تستجيب للأزمات الجيوسياسية فقط، بل أصبحت أكثر حساسية للمتغيرات النقدية، وعلى رأسها الدولار وأسعار الفائدة، وهو ما يعيد رسم خريطة الطلب على الملاذات الآمنة في المرحلة الحالية.


















































































