مع دخول إغلاق مضيق هرمز يومه الثاني عشر، تتزايد المخاوف في الأسواق العالمية من أن تتحول الأزمة من صراع جيوسياسي في الشرق الأوسط إلى اختبار حقيقي للنظام المالي الدولي القائم على الدولار وسوق السندات الأمريكية.
فعلى عكس التوقعات التقليدية التي تفترض انخفاض عوائد السندات في أوقات التوترات الجيوسياسية، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.2%، في إشارة إلى ضغوط غير معتادة على سوق الدين الأمريكي.
ويرى المحللون أن الأزمة الحالية تسلط الضوء على نقطة ضعف جوهرية في النظام المالي العالمي، تتمثل في الاعتماد الكبير على الدولار والديون الأمريكية.
فالصراع الحقيقي لا يدور في الميدان العسكري، بل في سوق السندات الأمريكية، فأي اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية قد يؤدي إلى ضغوط كبيرة على هذا السوق.
أزمة الطاقة وسوق السندات
تعتمد العديد من الدول حول العالم على استيراد الطاقة، وفي الوقت نفسه تحتفظ بجزء كبير من احتياطاتها وأصولها المالية بالدولار. وتُقدَّر قيمة الأصول المقومة بالدولار التي يمتلكها المستثمرون الأجانب بنحو 27 تريليون دولار.
وفي حال ارتفاع أسعار النفط بالتزامن مع قوة الدولار، تجد الدول المستوردة للطاقة نفسها أمام معادلة صعبة:
توفير السيولة اللازمة لشراء النفط والسلع الأساسية.
وغالبًا ما يتم ذلك عبر بيع الأصول الدولارية الأكثر سيولة، وفي مقدمتها سندات الخزانة الأمريكية. ومع تزايد عمليات البيع، يرتفع المعروض من السندات، ما يؤدي إلى ارتفاع العوائد.
وتشير بيانات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن حيازات المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية بلغت نحو 9.4 تريليون دولار، وهو مستوى قياسي تاريخيًا.
في الوقت نفسه، تتزايد الضغوط المالية على الحكومة الأمريكية، حيث يتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس أن يبلغ عجز الموازنة الفيدرالية حوالي 1.9 تريليون دولار في عام 2026.
كما ارتفعت نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 122% – 124%، مقارنة بنحو 31% فقط في عام 1973.
مضيق هرمز… شريان الطاقة العالمي
يمثل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية، حيث يمر عبره ما يقرب من 20 مليون برميل نفط يوميًا، أي أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم.
وتعتمد الاقتصادات الآسيوية بشدة على هذا الممر، إذ تستقبل نحو 90% من صادرات النفط والمكثفات التي تمر عبره.
لكن المفارقة أن تدفقات النفط لم تتوقف بالكامل، إذ تشير البيانات إلى استمرار وصول الشحنات إلى الصين ، التي تستحوذ على نحو 38% من النفط المار عبر المضيق.
كما أصبحت الصين المشتري الرئيسي لنفط إيران ، حيث تشير تقديرات إلى وجود نحو 50 مليون برميل من الخام الإيراني مخزنة في ناقلات قرب السواحل الصينية والماليزية.
ويرى مراقبون أن ما يحدث حاليًا يمثل إعادة ترتيب جيوسياسية لتدفقات الطاقة العالمية.
تآكل الثقة في النظام المالي
في ظل ارتفاع مستويات الديون العالمية وتزايد المخاطر الجيوسياسية، يرى بعض المحللين أن الثقة في النظام المالي العالمي تمر بمرحلة تراجع.
وفي مثل هذه الظروف، تتجه رؤوس الأموال عادة إلى الأصول المادية التي لا تعتمد قيمتها على التزامات الحكومات أو المؤسسات المالية.
وهنا يعود الذهب إلى الواجهة باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة تاريخيًا.
ويعد الذهب أصل مالي فريد، لأنه لا يمثل التزامًا على أي جهة، ويتمتع بمعروض محدود، ويستخدم تاريخيًا كوسيلة تسوية نهائية بين الدول.
كيف يجب أن يتعامل المستثمرون؟
ينصح المحللون المستثمرين بتبني توزيع متوازن للأصول، ويتضمن هذا النموذج تخصيص ما بين 15% و25% من المحافظ الاستثمارية للذهب الفعلي، إلى جانب السيولة والأسهم والعقارات، بهدف التحوط من المخاطر النظامية.
إلى أين قد تتجه أسعار الذهب؟
ترتبط توقعات الذهب في المرحلة المقبلة إلى حد كبير بتطورات الأزمة في مضيق هرمز.
فإذا استمرت اضطرابات الطاقة وارتفعت الضغوط على النظام المالي العالمي، قد تتجه الاستثمارات بشكل متزايد نحو الذهب.
ويرى المحللون أن استمرار الأزمة قد يدفع المعدن النفيس إلى مستويات غير مسبوقة، ليتجاوز سعر الذهب 6000 دولار للأوقية بحلول منتصف العام إذا استمرت التوترات الحالية.
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بإمدادات النفط أو التوترات العسكرية، بل تكشف عن اختلالات أعمق في النظام المالي العالمي، خاصة مع ارتفاع مستويات الديون واعتماد الاقتصاد الدولي على الدولار.
وفي مثل هذه البيئات غير المستقرة، غالبًا ما تستعيد الأصول الحقيقية، وعلى رأسها الذهب، دورها التاريخي كملاذ آمن ووسيلة لحفظ القيمة.


















































































