شهدت أسعار الذهب والفضة موجة من التراجع خلال الأسبوعين الماضيين، مع تغير توقعات أسعار الفائدة وارتفاع الطلب العالمي على السيولة بالدولار الأمريكي، وهو ما ضغط على المعادن النفيسة رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.
وتراجع الذهب للأسبوع الثاني على التوالي، إذ يختبر مستوى دعم فوق 5000 دولار للأوقية، حيث جرى تداوله في السوق الفورية عند نحو 5021 دولار، منخفضًا بنحو 3% مقارنة بإغلاق الأسبوع الماضي. كما تحركت الفضة في الاتجاه نفسه، إذ اختبرت مستوى دعم قرب 81 دولارًا للأوقية، وتداولت عند 81.04 دولار، متراجعة بنحو 4% خلال الأسبوع.
ورغم أن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط كان من المفترض أن يعزز الطلب على الملاذات الآمنة، فإن أداء الذهب والفضة جاء أقل من توقعات بعض المستثمرين.
قد يكون تراجع الذهب خلال الفترة الأخيرة محبطًا للمستثمرين، لكنه يتماشى مع التحولات الأوسع في الأسواق المالية، فالحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران خلقت طلبًا استثنائيًا على السيولة بالدولار الأمريكي، وهو ما دفع المستثمرين إلى تفضيل الاحتفاظ بالعملة الأمريكية باعتبارها العملة الاحتياطية الأولى في العالم.
يتمتع سوق الذهب بسيولة مرتفعة في العادة، إلا أن سوق الذهب الفعلي قد يعاني من نقص السيولة خلال فترات التوتر الاقتصادي الحاد، ما يدفع المستثمرين إلى البحث عن الأصول الأكثر سيولة.
ارتفاع عوائد السندات الحكومية الأمريكية مجددًا فوق مستوى 4% يعكس ضعف الطلب على الملاذات الآمنة في الوقت الحالي، لكنه توقع عودة الطلب على الذهب بمجرد انتهاء مرحلة البحث المكثف عن السيولة.
تمثل المرحلة الحالية ما يمكن وصفه بمرحلة “الطلب على السيولة” في الأزمات، وهو ما يجعل النظرة قصيرة الأجل للمعادن النفيسة أكثر حذرًا، مع احتمال أن تستقر الأسعار مؤقتًا قبل استئناف الصعود.
وفي الوقت نفسه، يستفيد الدولار الأمريكي أيضًا من تغير توقعات السياسة النقدية قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المرتقب الأسبوع المقبل.
فقد أدت الحرب مع إيران إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية، ما دفع أسعار الطاقة، وعلى رأسها النفط، إلى الارتفاع بشكل ملحوظ. ويثير هذا الارتفاع مخاوف من عودة الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسته النقدية المشددة لفترة أطول مما كان متوقعًا.
وفي مذكرة بحثية، توقع محللو BMO Capital Markets أن يقوم الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة مرتين فقط خلال العام الجاري، مع بدء أول خفض في سبتمبر، بعدما كانت التوقعات السابقة تشير إلى ثلاثة تخفيضات تبدأ في يونيو.
وأوضح المحللون أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة الصراع مع إيران يزيد من مخاطر الركود التضخمي، خاصة في ظل تباطؤ نمو الوظائف واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
تصاعد مخاطر التضخم يمنح الاحتياطي الفيدرالي مبررًا لعدم التسرع في خفض الفائدة، فالعوامل الجيوسياسية غالبًا ما يتم تضخيمها في النقاشات المتعلقة بالسياسة النقدية، لكن أسعار النفط تمثل عاملًا لا يمكن للبنك المركزي تجاهله، خاصة إذا استقرت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، إذ سينعكس ذلك مباشرة على أسعار الوقود في الولايات المتحدة ويغذي التضخم.
اختبار الذهب لمستوى دعم 5000 دولار قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي ليس أمرًا مفاجئًا، فالمخاطر على المدى القصير لا تزال تميل إلى الهبوط.
والأسواق تسعر حاليًا احتمال خفض واحد فقط للفائدة في عام 2026 بنسبة تقارب 80%، في ظل بقاء أسعار النفط قرب مستويات مرتفعة، ما يعزز قوة الدولار ويضغط على الذهب.
ستظل حركة الذهب في المدى القريب مرتبطة بأداء الدولار ونتائج اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، بينما قد تتحدد الاتجاهات المتوسطة والطويلة الأجل وفق مسار السياسة النقدية خلال العام المقبل.
وقال Ole Hansen، رئيس استراتيجية السلع في Saxo Bank، إن الذهب ما زال يمتلك فرصًا للصعود على المدى الطويل، موضحًا أن الحرب قد تدفع التضخم إلى الارتفاع في الوقت الذي تضغط فيه على النمو الاقتصادي.
وأشار إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يجد نفسه في موقف صعب إذا تباطأ الاقتصاد وارتفع التضخم في الوقت نفسه، إذ إن خفض الفائدة في بيئة تضخمية قد يدفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الارتفاع ويزيد من تقلبات الأسواق.
كما لفت إلى أن الطلب من البنوك المركزية قد يتباطأ مؤقتًا، إلا أن المخاوف المرتبطة بارتفاع الديون الحكومية والتوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة في العملات الورقية ستظل عوامل داعمة للذهب على المدى الطويل.
لا يزال الذهب يتحرك ضمن اتجاه صاعد طويل الأجل، رغم الضغوط البيعية الأخيرة، واستمرار الحكومات في زيادة الإنفاق بالعجز وتضخم الميزانيات العمومية للبنوك المركزية يدعم بقاء الذهب كأداة تحوط رئيسية، خاصة في ظل غياب حلول حقيقية لخفض مستويات الدين السيادي في الاقتصادات الكبرى.
أسبوع حافل باجتماعات البنوك المركزية
وتتجه أنظار الأسواق الأسبوع المقبل إلى سلسلة من اجتماعات البنوك المركزية العالمية، وفي مقدمتها قرار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
ومن المقرر أن يبدأ الأسبوع باجتماع البنك المركزي الاسترالي، وسط توقعات برفع محدود للفائدة مع استمرار الضغوط التضخمية.
كما سيعلن كندا Bank of Canada قراره بشأن السياسة النقدية يوم الأربعاء، قبل قرار الفيدرالي الأمريكي Federal Reserve، بينما يعقد البنك الياباني Bank of Japan اجتماعه في اليوم نفسه.
وفي يوم الخميس، ستصدر قرارات السياسة النقدية لكل من البنك السويسري Swiss National Bank و بنك انجلترا Bank of England والبنك الاوروبي European Central Bank، مع توقعات بعدم حدوث تغييرات كبيرة في السياسات النقدية.
كما تترقب الأسواق صدور عدد من البيانات الاقتصادية الأمريكية المهمة، من بينها بيانات سوق الإسكان واستطلاعات النشاط الصناعي الإقليمي، والتي قد توفر مؤشرات إضافية حول مسار الاقتصاد الأمريكي والتضخم خلال الفترة المقبلة.



















































































