شهدت الفضة تحولات سعرية حادة خلال أسابيع قليلة، حيث انتقلت من هبوط قوي في نهاية يناير إلى تعافٍ ملحوظ خلال فبراير، قبل أن تدخل في موجة تراجع جديدة مع بداية مارس. هذه التحركات السريعة خلقت حالة من الارتباك بين المستثمرين، خاصة مع الفارق الواضح بين ردود فعل السوق قصيرة الأجل ومواقف المؤسسات المالية الكبرى التي لم تغيّر تقييماتها الأساسية للمعدن.
تقلبات حادة خلال أسابيع
سجلت الفضة مستوى قياسيًا تاريخيًا عند 121.64 دولارًا للأوقية في 29 يناير، قبل أن تتعرض لانهيار سريع خلال فترة وجيزة. وجاء جزء من هذا التراجع بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترشيح كيفن وورش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما أدى إلى ارتفاع قوي في الدولار الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، قامت بورصة شيكاغو التجارية برفع متطلبات الهامش على عقود الفضة الآجلة خلال نفس عطلة نهاية الأسبوع، ما أدى إلى موجة بيع قسرية في سوق العقود الآجلة.
ونتيجة لذلك، أغلقت عقود الفضة في 30 يناير على تراجع بلغ 31.4% في يوم واحد، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أزمة الفضة الشهيرة في مارس 1980. هذا الهبوط المفاجئ أنهى الاتجاه الصعودي السابق، ودخلت السوق بعدها مرحلة إعادة توازن تأثرت بشكل كبير بعوامل السيولة والتحركات الفنية.
تعافٍ في فبراير ثم تصحيح جديد
خلال شهر فبراير بدأت الفضة في التعافي تدريجيًا مع انحسار ضغوط البيع وعودة المشترين إلى السوق. وارتفع المعدن بأكثر من 10% خلال الشهر، ليقترب في أوائل مارس من 95.85 دولارًا للأوقية، مستعيدًا جزءًا كبيرًا من خسائره السابقة.
لكن هذا التعافي لم يدم طويلًا. ففي الأسبوع الأول من مارس تعرضت الفضة لموجة تصحيح ثانية، حيث فقد المعدن نحو 10% خلال 48 ساعة ليتراجع إلى نطاق أوائل 80 دولارًا للأوقية.
قوة الدولار تضغط مجددًا
تشير البيانات إلى أن التراجع الأخير جاء نتيجة ارتفاع الدولار الأمريكي وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما ضغط على المعادن النفيسة بشكل عام.
اللافت في هذه التطورات أن التراجع لم يكن نتيجة تغير في أساسيات سوق الفضة بقدر ما كان نتيجة عوامل مالية كلية مثل تحركات العملة، وتوقعات الفائدة، وآليات التداول في سوق العقود الآجلة. وهذا ما يجعل قراءة الاتجاه الحقيقي للسوق في المدى القصير أكثر صعوبة.
البنوك الكبرى تتمسك بتوقعاتها
رغم هذه التقلبات العنيفة، لم تغيّر المؤسسات المالية الكبرى توقعاتها طويلة الأجل لسوق الفضة:
يتوقع أحد أكبر البنوك الاستثمارية الأمريكية متوسط سعر يبلغ 81 دولارًا للأوقية في 2026، مع إمكانية تجاوزه في فترات تدفق الاستثمارات.
يرى بنك أوروبي كبير أن الفضة قد تصل إلى 100 دولار بنهاية العام، مستندًا إلى ميل الفضة للتفوق على الذهب في المراحل المتأخرة من الأسواق الصاعدة للمعادن.
تتبنى مجموعة مصرفية عالمية رؤية أكثر تفاؤلًا، مع هدف يبلغ 150 دولارًا للأوقية في الربع الثاني من 2026.
كما تشير مؤسسة مالية دولية إلى استمرار العجز في المعروض، مدعومًا بالطلب الصناعي القوي من قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات والتحول نحو الكهرباء.
سوق بين العجز الهيكلي والتقلبات المالية
تُظهر التطورات الأخيرة أن سوق الفضة يقف حاليًا عند نقطة توازن حساسة. فمن جهة، كشفت التحركات الأخيرة مدى حساسية المعدن للتغيرات في الدولار وتوقعات الفائدة وآليات سوق العقود الآجلة. ومن جهة أخرى، ما تزال الرؤية الأساسية للمؤسسات المالية الكبرى ثابتة، إذ لم يتم تعديل توقعات الأسعار أو فرضية العجز في المعروض حتى الآن.
وبالتالي، فإن ما يشهده السوق قد يكون ببساطة مرحلة من التقلبات المرتفعة داخل اتجاه طويل الأجل صاعد، وليس تحولًا جوهريًا في أساسيات الفضة.
وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال الرئيسي أمام المستثمرين: هل ستستمر موجة البيع المدفوعة بالعوامل الاقتصادية الكلية، أم أن تدفقات الاستثمار ستعود مجددًا مدعومة بأساسيات السوق التي لم تتغير حتى الآن؟



















































































