بينما كانت الأسواق العالمية تترقب هدوءًا نسبيًا مطلع العام، جاءت أحداث الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتقلب الموازين رأسًا على عقب؛ فمع انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير الماضي، والضربات الجوية التي استهدفت العمق الإيراني، دخلت المعادن النفيسة في مرحلة الانفجار السعري، حيث تحول الذهب من مجرد أداة تحوط إلى الملاذ الأخير في ظل تقارير عن إغلاق مضيق هرمز وتهديدات بحرب إقليمية شاملة.
الذهب: صعود تاريخي وتذبذب حاد
مع اندلاع المواجهات المباشرة بين أمريكا وإيران، شهد الذهب قفزات غير مسبوقة، محطمًا الأرقام القياسية، حيث تجاوز حاجز 5,200دولار للأونصة لأول مرة في التاريخ، ووصل في بعض لحظات الذروة مؤخرًا إلى قرابة 5,500 دولار، ويقف الآن على بعد خطوات من اختبار هذه القمة مجددًا مع تزايد حدة التصعيد العسكري.
المحركات الجيوسياسية لهذا الصعود كان مقتل قيادات سياسية وعسكرية إيرانية رفيعة، والردود المتبادلة، وهو ما دفع المستثمرين للهروب من الأسهم والسندات نحو الذهب، ومن ثم خلق فجوة في المعروض وتأخرًا في التسليمات المادية ببعض الأسواق كدبي ولندن.
وعلى الرغم من أنه عادةً ما يرتفع الدولار والذهب معًا في الأزمات الكبرى كأدوات تحوط، إلا أن الذهب حاليًا يشهد علاقة عكسية مضطربة مع الدولار، فقوة الدولار الحالية (بسبب رفع الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عن أسعار النفط) قد تضغط على الذهب وتمنعه من مواصلة الصعود الجنوني، ما يخلق حالة من التذبذب العالي.
الفضة: الحصان الأسود للأزمة
بينما يُعتبر الذهب ملاذاً آمنًا، فإن الفضة تتبع خطاه لكن بسرعة أكبر، في الأسبوع الحالي قفزت أسعار الفضة لتتداول حول 84.37 دولارًا للأونصة، وبالرغم من تراجعها عن قمة يناير (121 دولارًا)، إلا أنها استعادت زخمها الصعودي بمكاسب أسبوعية بلغت 3%، مدفوعة بطلب المستثمرين الأفراد الذين يجدون في الفضة وسيلة تحوط أرخص ثمنًا من الذهب، كما سجلت صناديق الاستثمار في الفضة ارتفاعات وصلت إلى 8%، متفوقة على الذهب في نسبة الصعود اليومية، وذلك بسبب استخداماتها الصناعية والتحوطية معًا.
البلاتين والبلاديوم
تشهد هذه المعادن صراعًا بين قيمتها كملاذ آمن من جهة، وضعف الطلب الصناعي من جهة أخرى، بما يعني أن هذه المعادن تتأثر بجانبين متناقضين:
الجانب الإيجابي: ارتفاع الطلب عليها كمخزن للقيمة.
الجانب السلبي: بما أنها معادن صناعية تدخل في صناعة السيارات، فإن المخاوف من ركود اقتصادي عالمي بسبب إغلاق مضيق هرمز قد يقلل من الطلب الصناعي عليها، ما يجعل صعودها أقل استقرارًا من الذهب.
يتداول البلاتين حاليًا عند 2150 دولارًا للأونصة، بينما يحاول البلاديوم التماسك عند 1662 دولارًا ، متأثرًا بمخاوف تعطل سلاسل توريد السيارات العالمية إذا ما توسعت الحرب لتشمل ممرات الملاحة الدولية.
التحليل الفني والتوقعات
الأسواق حاليًا تتحرك بردود فعل لحظية، تشير البيانات الاقتصادية إلى أننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:
1. سيناريو التصعيد المستمر: في حال استهداف منشآت نووية أو نفطية جديدة أو إغلاق مطول للمضايق، يتوقع محللو “جي بي مورغان” وصول الذهب إلى 6,300 دولار قبل نهاية العام، مع وصول الفضة إلى مستويات150 دولارًا.
2. سيناريو التهدئة المفاجئة: في حال أي أنباء عن تهدئة، قد نشهد عمليات جني أرباح عنيفة تهبط بالذهب إلى مناطق الدعم القوية عند 4,890 دولارًا.
إن ما تشهده أسواق المعادن النفيسة اليوم، وعلى رأسها الذهب، ليس مجرد ارتفاع سعري عابر، بل هو انعكاس دقيق لحالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد في الشرق الأوسط، الذهب الآن لا يعكس فقط قيمة المعدن، بل يعكس مؤشر القلق العالمي، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تهدئة تعيد الأسعار لمسارها الطبيعي، أو تصعيد يدفعها نحو آفاق غير مكتشفة بعد.


















































































