في الوقت الذي قفزت فيه أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، وتحول اقتناء المشغولات والسبائك إلى قرار استثماري بامتياز قبل أن يكون استهلاكيًا، تراجع الاهتمام بأحد أهم عناصر حماية هذه القيمة، وهو «علبة المجوهرات»، فبعد أن كانت «الشكمجية» قطعة أساسية في كل بيت مصري، تحمل بعدًا وظيفيًا وجماليًا في آن واحد، أصبحت اليوم منتجًا هامشيًا، يُستعاض عنه غالبًا بعلب كرتونية مؤقتة أو عبوات مستوردة رديئة لا تتناسب مع قيمة ما تحتويه.

قال حمدي سمير، الخبير في صناعة علب المجوهرات، إن هذا التراجع لا يعكس تغيرًا في الذائقة فقط، بل يكشف فجوة بين ارتفاع قيمة الذهب ماديًا، وتراجع ثقافة حفظه وتأمينه بصريًا ووظيفيًا، فـ«الشكمجية» المصرية لم تكن مجرد وعاء، بل جزءًا من الذاكرة البصرية والطقوس الاجتماعية المرتبطة بالزواج والادخار والورث العائلي.
أوضح، في حوار لـ عيار 24، أن الصناعة المحلية المختص بتضنيع علب المجوهرات، اتجهت مؤخرًا إلى إعادة إحياء تراث «الشكمجية» المصرية برؤية عصرية، تمزج بين الحرفية التقليدية والتصميم الحديث، مع التركيز على جودة الخامات والدقة في التنفيذ. ويؤكد هؤلاء أن المنتج المصري بات قادرًا على منافسة المستورد، لا سيما الصيني والتركي، من حيث الجودة والمتانة والهوية البصرية، وليس فقط السعر.
تفتح هذه العودة المحتملة بابًا جديدًا أمام صناعة مغفلة، لكنها شديدة الارتباط بسوق الذهب والمجوهرات، في وقت باتت فيه القيمة لا تُقاس فقط بوزن المعدن، بل بكيفية حفظه وتقديمه وصون رمزيته.
الشكمجية: من تراث الملكية إلى بيوت المصريين
ويشير سمير إلى أن الشكمجية لم تكن مجرد وعاء لحفظ الذهب، بل قطعة فنية ذات طابع مصري أصيل، اعتمدت تاريخيًا على الخشب الطبيعي، والصدف، والزخارف الهندسية الإسلامية، ووصلت بعض نماذجها التراثية إلى أسعار خيالية في المزادات العالمية، خاصة تلك التي تعود إلى حقبة أسرة محمد علي.
ويسترجع سمير ذكريات “الشكمجية” التي لم يكن يخلو منها بيت مصري، خاصة لدى حديثي الزواج، حيث كانت تُستخدم لحفظ الذهب والمجوهرات قبل أن تتحول بمرور الوقت لقطع ديكورية عريقة.
ويشير سمير إلى أن ب
ويوضح سمير أن علبة “الشكمجية” الصدفية ما زالت تُصنع حتى اليوم في ورش منطقة “الصاغة” وحي “المعز”، مؤكداً أنها تعبر عن الطابع المصري المائل للفن والإبداع. ويضيف: “بدأنا قديماً بالخشب المزين بالأويمة والموتيفات، ثم طورنا الصناعة بإدخال الصدف والشبكات الهندسية الإسلامية، وصولاً إلى دمج النحاس مع الصدف لتقديم قطعة فنية تليق بقيمة ما بداخلها”.
معركة الجودة: المصري في مواجهة “الرديء” المستورد
يؤكد سمير أن العلبة الجيدة ليست عنصرًا تجميليًا فقط، بل عامل أساسي في الحفاظ على الذهب من الخدش أو القطع أو التلف، خاصة مع تراجع سماكات المشغولات الحديثة، كما أن سوء التبطين أو استخدام خامات رديئة داخل العلبة قد يتسبب في تلف السلاسل أو الأساور دون أن يشعر المستخدم، وهو ما ينعكس لاحقًا عند إعادة البيع أو الصيانة.
وينتقد حمدي سمير بشدة ثقافة “العلب الرخيصة” التي تسيطر على بعض محلات الذهب، واصفاً إياها بأنها “رديئة” ولا تليق بقيمة الذهب.
ويقول: “للأسف، الزبون يتأنى في اختيار الشبكة لكنه يغفل عن طريقة إخراجها، مما دفع البعض لإنتاج علب بسيطة جداً ومنخفضة التكلفة، لكن في المقابل، هناك محلات تهتم بترك بصمة وتقدم علبًا قيمة تليق باسمها كبراند”.
وحول الفارق بين المنتج المصري والمستورد، يؤكد سمير أن الصناعة المصرية بدأت تخطو خطوات واسعة نحو الاحترافية. ويشرح قائلاً: “نحن نستخدم خشب الطبيعي أو (MDF) المكسو بالقشرة، ونعتمد في الدهانات على تقنيات تضاهي دهان السيارات، والأهم من ذلك، الحرص على استخدام ورنيش خالٍ من الرصاص للحفاظ على الصحة، وقماش داخلي ناعم يحمي الذهب والألماس من التجريح، هذه المنتجات لا تكتفي بالشكل الجمالي، بل تراعي عوامل الأمان، مثل قوة المفصلات، وثبات الغلق، وقدرتها على تحمل الاستخدام لفترات قد تمتد إلى 10 و15 عامًا وربما أكثر.
أضاف، وذلك عكس بعض المنتجات المستوردة التي قد تتسبب في قطع السلاسل بسبب استخدام أجزاء معدنية حادة أو (أستك) رديء”.
ولفت، إلى أن السنوات الأخيرة، بدأت الصناعة المصرية في استعادة حضورها داخل هذا القطاع، مع ظهور نماذج لعلب خشبية مصنّعة محليًا بجودة عالية.
الابتكار والذكاء الصناعي في خدمة “الصاغة”
لم تتوقف الصناعة عند الشكل التقليدي، بل كشف سمير عن إدخال تقنيات الإضاءة داخل علب الخشب، وهي فكرة كانت حكراً على العلب البلاستيكية الصينية ويقول: “الصين تعتمد على القوالب الجاهزة (الاسطمبات)، لكننا نجحنا في تنفيذها يدوياً في الخشب بدقة عالية تضمن متانة العلبة وعمرها الافتراضي الذي قد يتجاوز 20 عاماً”.
كما أشار إلى توجه جديد لتصنيع علب مخصصة للسبايك الذهبية، وعلب “ديجيتال” مزودة بأكواد وأرقام سرية، بالإضافة إلى إمكانية تخصيص العلب بأسماء العروسين وتواريخ الزفاف وصورهم عبر تقنيات طباعة بارزة لا تُمحى، مما يجعل العلبة جزءاً من ذكرى يوم الزفاف.
تحديات الصناعة ومطالب الدعم
ورغم النجاحات، لا يخفي حمدي سمير التحديات التي تواجه المصنعين المصريين، وعلى رأسها “سياسة الإغراق” التي يمارسها المستوردون الصينيون عبر تسهيلات دفع تصل لستة أشهر، مما يضغط على المنتج المحلي.
كما أشار إلى أزمة “المفصلات” التي تُستورد بالكامل من الصين لعدم توفر نوعية الصاج المطلوبة في مصر، مناشداً المسؤولين، وعلى رأسهم الفريق كامل وزير، بتبني مشروع لإنشاء مصنع للمفصلات يخدم كافة الصناعات الخشبية في مصر.
ويرى سمير أن قرارات الحد من الاستيراد، خاصة من الصين، ساهمت في فتح مساحة حقيقية أمام الصناعة المحلية، بعد سنوات من هيمنة المنتجات المستوردة منخفضة الجودة التي أغرقت السوق بأسعار رخيصة، لكنها أضرت بالمنتج النهائي وبثقة المستهلك.
ويقول: “لدينا الخبرة والابداع، والمنتج المصري الآن يلقى قبولًا كبيرًا في الخارج، وكثير من شركات تصنيع العلب تجاول التجه للتصدير، فشعار (صنع في مصر) يمثل حقيقة الجودة والتميز”.
ويؤكد أن المنتج المصري، حين تتوافر له الخبرة والخامة والدعم، قادر على منافسة المستورد، بل وتقديم حلول أكثر ملاءمة للسوق المحلي.
نصيحة للجمهور: استثمر في “العلبة” لحماية “الذهب”
وتكشف التجربة أن تكلفة العلبة الجيدة لا تمثل عبئًا حقيقيًا على المستهلك، إذ تتراوح أسعار بعض العلب المحلية بين 50 و100 جنيه، مقابل حماية منتج قد تتجاوز قيمته مئات الآلاف، كما أن بعض التجار باتوا يدركون أن تقديم الذهب داخل علبة قوية وراقية يعزز من صورة المحل ويخلق رابطًا طويل الأمد مع العميل.
ووجه حمدي سمير نصيحة للمستهلكين بضرورة طلب علب خشبية قيمة من “الجواهرجي” عند شراء الذهب، مشيراً إلى أن أسعار العلب المحلية زهيد مقارنة بقيمة الذهب الذي تحميه.
وقال سمير : “العلبة ليست مجرد غلاف، بل هي وعاء يحفظ القيمة والذكرى، والصناعة المصرية المكملة لقطاع الذهب هي أملنا لتقليل الاعتماد على الدولار وخلق فرص عمل لآلاف الأسر، ونحن مستمرون في التحدي لإثبات أن المصري قادر على الإبداع والمنافسة العالمية”.
شكمجية السبائك
ومع تطور سوق الذهب، لم يعد استخدام العلب مقتصرًا على المشغولات فقط، بل امتد ليشمل السبائك، خاصة مع تزايد الإقبال على الاستثمار في المعدن النفيس، إلا أن المفارقة تكمن في أن ارتفاع سعر الذهب لم يواكبه تطور في ثقافة تغليفه وحفظه، حيث يخرج كثير من المشترين بمشتريات تقدر بعشرات أو مئات الآلاف من الجنيهات داخل أكياس أو علب ضعيفة لا توفر أي حماية حقيقية.
ثقافة علبة الذهب في الدول الخارجية
المفارقة اللافتة أن ثقافة العلبة لا تزال حاضرة بقوة في أسواق مثل تركيا، حيث يُعد إخراج المشغولات جزءًا من هوية التاجر، بينما لا تزال السوق المصرية تعاني من فجوة بين قيمة المنتج وطريقة تقديمه، ويرى متخصصون أن إعادة إحياء ثقافة الشكمجية، بصيغة عصرية، تمثل فرصة مزدوجة؛ لحماية ثروة الأسر من جهة، ودعم صناعة محلية قادرة على خلق فرص عمل وإضافة قيمة حقيقية للاقتصاد.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: كيف نقبل أن نشتري الذهب كملاذ آمن، ثم نضعه في علبة لا توفر له أي أمان؟ الإجابة، بحسب أهل الصناعة، تبدأ بإعادة النظر في مفهوم «العلبة» باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من قيمة الذهب، لا مجرد تفصيلة هامشية يمكن الاستغناء عنها.
