يُعد سوق الذهب في مصر واحدًا من أقدم وأهم أسواق المعدن النفيس في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، إذ لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد سوق تجاري تقليدي، بل كمنظومة تاريخية متكاملة تشكّلت عبر قرون، وتداخلت فيها الأعراف المهنية مع القوانين الحديثة، والاعتبارات الاقتصادية مع الخصوصية الثقافية للمجتمع المصري.
وفي قراءة معمقة للمشهد، يسلّط الخبير الاقتصادي والمتخصص في شؤون الذهب، أحمد فهيم، الضوء على البنية الداخلية لهذا السوق، كاشفًا عن آليات التسعير، ونظام الدمغ، وقيود الحركة، إلى جانب التحديات التي تواجه المتعاملين فيه، سواء من المستثمرين أو المستهلكين.
من قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا منطقة الجمالية المجاورة للحسين، يتشكل المركز العصبي لسوق الصاغة المصري، وهو مركز لم يكتسب ثقله فقط من كونه تجمعًا للتجار، بل لأنه يمثّل الذاكرة الحية لصناعة الذهب في مصر، فعلى مدار مئات السنين، ترسّخت في هذا النطاق الجغرافي قواعد غير مكتوبة، وأعراف مهنية صارمة، حكمت عمليات التداول، وحددت موازين الثقة بين أبناء المهنة، وأسست لنمط فريد من إدارة السوق لا يزال قائمًا حتى اليوم.
مركزية الدمغ… رقابة تحمي السوق وتقيّد حركته
يشير فهيم إلى أن الميزة الأبرز التي ينفرد بها السوق المصري هي نظام “مركزية الدمغ”، حيث تُعد مصلحة الدمغة والموازين الجهة الرسمية الوحيدة المخوّلة قانونًا بفحص المشغولات الذهبية، واعتماد دقة العيار، والتحقق من الوزن، ووضع الختم الرسمي. ولا يُعترف بأي ذهب داخل السوق المحلي ما لم يمر عبر هذه المنظومة، بينما تُصنّف أي محاولة للتداول خارجها باعتبارها جريمة يعاقب عليها القانون بالمصادرة والمساءلة الجنائية، مع امتلاك الهيئة سلطات قضائية كاملة للإحالة إلى النيابة العامة.
هذا النظام، بحسب فهيم، وفّر للمستهلك المصري درجة عالية من الأمان، إذ أتاح جهة رسمية مستقلة للفصل في أي نزاع يتعلق بالعيار أو الوزن، إلا أنه في الوقت ذاته أسهم في خلق تركّز شديد للقوة السوقية. فقد أدّت مركزية الدمغ إلى تكتل كبار التجار في منطقة الجمالية، حيث يمتلكون وحدهم القدرة المالية واللوجستية على التعامل مع المنظومة الرقابية، وبالتالي التأثير الفعلي في حركة الأسعار داخل السوق المحلي، ليس فقط في القاهرة، بل في مختلف محافظات الجمهورية.
ذهب يدخل ولا يخرج… سوق شبه مغلقة
من بين السمات الجوهرية التي تشكّل طبيعة السوق المصري، أن الذهب يدخل البلاد بسهولة نسبيًا، لكنه لا يخرج منها بنفس السهولة. فعمليات التصدير مقصورة على شركات مرخصة فقط، وتخضع لإجراءات معقدة، وربط مباشر بعوائد دولارية وفق ضوابط نقدية صارمة، بينما يُمنع الأفراد من إخراج الذهب خارج البلاد، باستثناء المشغولات الشخصية.
هذا الواقع خلق سوقًا شبه مغلقة، تعتمد بدرجة كبيرة على إعادة تدوير المعروض المحلي، سواء من الذهب الكسر أو من إعادة صهر المشغولات، وهو ما يضاعف تأثير كبار الحائزين للمعدن النفيس على آليات التسعير، ويجعل السوق أكثر حساسية لأي تغيّر في مستويات الطلب أو العرض.
هيكل العيارات… ثقافة استهلاك مصرية
يعتمد السوق المصري على ثلاثة عيارات رئيسية، لكل منها وظيفة اقتصادية وثقافية مختلفة.
عيار 18 يُعد الأكثر انتشارًا في المشغولات والحُلي، ويشكّل العمود الفقري لما يُعرف بالذهب الاجتماعي، خاصة في الشبكة. يتميز هذا العيار بتنوع تصميماته، سواء البلدي أو الإيطالي، وتكلفة أقل مقارنة بغيره، مع مصنعيات تتراوح بين 150 و200 جنيه للجرام، رغم ما يُثار أحيانًا حول تفاوت دقة العيار في بعض المنتجات.
أما عيار 21 فيحظى بمكانة مزدوجة داخل السوق، إذ يُستخدم في المشغولات من جهة، وفي الجنيهات الذهبية من جهة أخرى، حيث تُعامل الجنيهات معاملة الذهب الخام، ما يجعله خيارًا مفضّلًا للادخار إلى جانب الزينة.
في المقابل، يقتصر عيار 24 على السبائك فقط، نظرًا لليونته العالية التي لا تسمح باستخدامه في الحُلي. ومع تطور تقنيات الإنتاج، بدأت الشركات في طرح أوزان صغيرة للغاية، تصل إلى 10 مللي جرام، بما يتيح الوصول إلى مختلف الشرائح الشرائية.
الكاش باك… سياسة استثمارية فريدة
يلفت فهيم الانتباه إلى أن مصر تنفرد بسياسة “الكاش باك”، وهي آلية غير شائعة في معظم أسواق المنطقة، حيث تتيح للمشتري استرداد جزء من المصنعية عند إعادة بيع السبائك عيار 24 أو الجنيهات الذهبية عيار 21 إلى الشركة المصنعة. وتتراوح نسبة الاسترجاع بين 30% و45% من المصنعية، ما يقلل من تكلفة الاستثمار في الذهب الخام، ويمنحه ميزة تنافسية واضحة مقارنة بالمشغولات.
اضطراب التسعير… التحوط في مواجهة الدولار
يعاني سوق الذهب المصري من تذبذبات سعرية مستمرة، ناتجة عن عدم استقرار سعر صرف الدولار، وتقلّبات الأسعار العالمية. وفي هذا السياق، يلجأ التجار إلى سياسات تحوّط واضحة في حالتين رئيسيتين؛ الأولى عند فائض العرض، حيث يؤدي زيادة بيع الجمهور للذهب إلى خفض السعر محليًا عن السعر العالمي، بهدف توفير السيولة أو تغطية تكاليف تصدير الفائض.
أما الحالة الثانية فتظهر عند زيادة الطلب، كما يحدث في مواسم فك الشهادات البنكية، حيث يرتفع السعر المحلي فوق السعر العالمي وسعر صرف البنوك، نتيجة نقص المعروض، ما يخلق سوقًا شبه احتكارية.

الذهب الكسر… اقتصاد الثقة والمخاطرة
يتطرق التقرير إلى ملف الذهب الكسر، أو المستعمل، والذي يصفه فهيم بأنه “اقتصاد ظل” داخل المنظومة. فهذا السوق قائم على الثقة المتبادلة والكلمة، وتداوله محكوم بأعراف صارمة بين أبناء المهنة، حيث تُدار صفقات بأوزان وأموال ضخمة دون مستندات رسمية. ويحذر فهيم من دخول هذا المجال دون خبرة طويلة، نظرًا لاعتماده على المعرفة الدقيقة بالعيارات وقدرات التصفية وإعادة التدوير.
المشغولات… بين الجمال والخسارة
في المقابل، تتحمل المشغولات الذهبية عبئًا اقتصاديًا مزدوجًا، يتمثل في ارتفاع المصنعية عند الشراء، وخصم مباشر من سعر الجرام عند البيع. وتتفاوت نسب الخصم وفقًا للموقع الجغرافي وقوة التاجر، لتبرز فجوة واضحة بين القاهرة والأقاليم، حيث ترتفع التكاليف وتزداد نسب الخصم كلما ابتعدنا عن مراكز التداول الرئيسية، في انعكاس مباشر لمركزية السوق.
الفضة… من التراث إلى الادخار
رغم أن مصر تمتلك واحدة من أعرق مدارس الفضة اليدوية في المنطقة، خاصة في خان الخليلي، فإن الفضة لم تتحول إلى وعاء ادخاري إلا مؤخرًا، مع دخول شركات متخصصة في إنتاج السبائك الفضية. ويحذر فهيم من شراء الفضة الخام أو “البلي” بغرض الادخار، نظرًا لتأثرها السريع بعوامل الرطوبة والأكسدة، مشددًا على ضرورة التوجه إلى السبائك المغلفة الصادرة عن شركات معتمدة للحفاظ على القيمة.
خلاصة المشهد
يبقى سوق الذهب المصري نموذجًا فريدًا لا يمكن تصنيفه كسوق حر بالمعنى التقليدي، ولا كسوق مغلق بالكامل، بل كنظام مركزي معقّد، تتقاطع فيه الرقابة مع الاحتكار الجزئي، والتاريخ مع العولمة، والثقة مع الشاشات الرقمية. وفي ظل هذا الواقع، يظل الوعي بآليات السوق، وفهم قواعده غير المكتوبة، شرطًا أساسيًا لأي متعامل، لأن من يجهل هذه القواعد، يبقى دائمًا الطرف الأضعف، مهما تغيّرت الأسعار أو تعددت التطبيقات.
















































































