في تطور قانوني بالغ التأثير على التجارة العالمية، أبطلت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استنادًا إلى قانون مخصص لحالات الطوارئ الوطنية، معتبرة أن تلك الخطوة تجاوزت الصلاحيات الدستورية المخولة للرئيس.
وجاء الحكم بأغلبية 6 مقابل 3، وكتب حيثياته رئيس المحكمة المحافظ جون روبرتس، الذي أكد أن تفسير الإدارة لقانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية (IEEPA) يمنح الرئيس سلطة لا يقرّها الكونجرس صراحة، وهو ما يتعارض مع مبدأ دستوري يُعرف بـ”عقيدة الأسئلة الكبرى” (Major Questions Doctrine).
تجاوز للصلاحيات التشريعية
رأت المحكمة أن فرض رسوم جمركية ذات “أثر اقتصادي وسياسي واسع النطاق” يتطلب تفويضًا واضحًا من الكونجرس، وهو ما لم يتوافر في حالة الاستناد إلى قانون IEEPA الصادر عام 1977، وينص الدستور الأمريكي على أن سلطة فرض الضرائب والرسوم تعود للكونجرس، لا للسلطة التنفيذية.
وكان ترامب قد استخدم الرسوم الجمركية كأداة مركزية في سياساته الاقتصادية والخارجية، مطلقًا ما اعتُبر حربًا تجارية عالمية منذ بدء ولايته الثانية في يناير 2025.
وقد أثارت هذه السياسات توترات مع شركاء تجاريين رئيسيين وأثرت على الأسواق المالية، وأدخلت الاقتصاد العالمي في موجة من عدم اليقين.
أرقام ضخمة واحتمال رد الأموال
قدّر اقتصاديون من نموذج بن-وارتون للموازنة أن الرسوم المفروضة بموجب IEEPA جمعت أكثر من 175 مليار دولار حتى الآن، وهو مبلغ قد يتعين رده بعد حكم المحكمة.
وكان مكتب الميزانية في الكونجرس قد توقع أن تدرّ الرسوم الحالية نحو 300 مليار دولار سنويًا خلال العقد المقبل إذا استمرت.
وسجلت إيرادات الرسوم الجمركية الأمريكية صافيًا قياسيًا بلغ 195 مليار دولار في السنة المالية 2025 المنتهية في 30 سبتمبر، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.
انقسام قضائي ومحاذير سياسية
انضم إلى رأي الأغلبية قضاة محافظون عيّنهم ترامب خلال ولايته الأولى، إلى جانب القضاة الليبراليين الثلاثة. فيما عارض الحكم ثلاثة قضاة محافظين هم كلارنس توماس و**صامويل أليتو** و**بريت كافانو**.
وتعد هذه القضية واحدة من أبرز التحديات القانونية التي واجهت توسع ترامب في استخدام الصلاحيات التنفيذية، سواء في ملف الهجرة أو التعيينات الفيدرالية أو العمليات العسكرية.
بدائل قانونية مطروحة
لوّحت الإدارة بإمكانية اللجوء إلى مسارات قانونية أخرى للإبقاء على أكبر قدر ممكن من الرسوم، مثل نصوص تتيح فرض تعريفات على واردات تهدد الأمن القومي، أو اتخاذ إجراءات انتقامية ضد ممارسات تجارية غير عادلة وفق تقييم مكتب الممثل التجاري الأمريكي.
لكن خبراء قانونيين يرون أن هذه البدائل لا توفر المرونة والسرعة التي أتاحها قانون IEEPA، وقد لا تسمح بإعادة فرض الرسوم بالشمولية ذاتها.
تداعيات على النظام التجاري العالمي
أدى استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط سياسية إلى توتر علاقات واشنطن مع حلفاء تقليديين، كما دفع قادة دول إلى التفاوض على اتفاقات تجارية تتضمن تعهدات استثمارية بمليارات الدولارات أو منح مزايا إضافية للشركات الأمريكية.
وكان ترامب قد أعلن في 2 أبريل، فيما أسماه “يوم التحرير”، فرض رسوم “متبادلة” على معظم الشركاء التجاريين، مبررًا ذلك بعجز الميزان التجاري الأمريكي الذي استمر لعقود. كما فرض رسومًا على الصين وكندا والمكسيك بدعوى مواجهة تدفق الفنتانيل والمخدرات غير المشروعة.
يحمل الحكم أبعادًا دستورية واقتصادية عميقة، إذ يعيد رسم حدود العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ملف التجارة، ويقيد استخدام قوانين الطوارئ لفرض سياسات مالية كبرى دون موافقة الكونغرس.
كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم أدوات السياسة التجارية الأمريكية، في وقت لا تزال فيه الأسواق العالمية تترقب مسار الرسوم وتأثيراتها على النمو والتضخم وسلاسل الإمداد.


















































































