تُعد أسواق الذهب من أبرز الأسواق المالية عالميًا، إذ يُنظر إلى المعدن الأصفر باعتباره ملاذًا آمنًا ومخزنًا للقيمة في أوقات الاضطراب. غير أن السعر الذي يدفعه المستهلك في السوق المحلية لا يتطابق دائمًا مع السعر الفوري المعلن عالميًا، وهنا يظهر مفهوما العلاوة Premium والخصم Discount، وهما يعكسان الفارق بين السعر الفعلي المتداول محليًا والسعر النظري بعد احتسابه وفقًا لسعر الصرف.
هذه الظاهرة ليست محلية فحسب، بل تتكرر في أسواق كبرى مثل الهند والصين والولايات المتحدة، وتعد جزءًا طبيعيًا من توازنات العرض والطلب، رغم رفض بعض المتعاملين أو انتقاد وسائل الإعلام لها.
وفي مصر، شاع توصيف هذا الفارق بمصطلح “دولار الصاغة”، في إشارة إلى أن تسعير الذهب محليًا قد يستند إلى سعر صرف ضمني أعلى أو أقل من السعر الرسمي المُعلن من البنك المركزي.
السوق المحلية والتحولات الأخيرة
على مدار السنوات الماضية، ولا سيما منذ مارس 2022، شهدت سوق الذهب المحلية موجات متكررة من الاضطراب، تزامنت مع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وتصاعد الإقبال على الذهب كأداة لتحوط القيمة.
هذا التحول المفاجئ في الطلب ضغط بشدة على المعروض، خصوصًا في فترات قررت فيها الحكومة وقف استيراد الذهب للشركات، ما أدى إلى اختلال واضح في آلية التسعير.
في تلك الأوقات، اتسعت الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي، إذ ارتفع الذهب في السوق الداخلية بعلاوة تراوحت بين 200 و500 جنيه فوق السعر العادل المحسوب على أساس الأوقية وسعر الصرف.
وفي المقابل، شهدت السوق أحيانًا تداول الذهب بأقل من السعر العالمي، خاصة عند تراجع الأسعار عالميًا وبيع المواطنين لمقتنياتهم، ما خلق فائضًا مؤقتًا في المعروض.
ويعتمد تسعير الذهب في السوق المحلية على ثلاثة عناصر رئيسية: سعر الأوقية عالميًا، سعر صرف الدولار، والعرض والطلب داخل السوق، وأي تغير في أحد هذه العناصر ينعكس مباشرة على الفارق بين السعرين.
ومؤخرًا، في يناير 2026، عادت مشاهد الزحام أمام محال الصاغة مع موجة شراء مكثفة، دفعت بعض الشركات إلى إلغاء التسليم الفوري، والاتجاه للتسليم المؤجل لفترات تراوحت بين أسبوع وشهر، في دلالة واضحة على تجدد الضغوط على المعروض واتساع فجوة التسعير.
العلاوة: عندما يتفوق الطلب على المعروض
تشير العلاوة إلى بيع الذهب بسعر أعلى من قيمته العادلة، وهو انعكاس واضح لتفوق الطلب على المعروض المتاح.
وتفرض العلاوة عادةً في حالات نقص المعروض، تعطل سلاسل الإمداد، أو زيادة الإقبال على الذهب كملاذ آمن خلال أوقات عدم اليقين الاقتصادي أو السياسي.
وقد ترتفع العلاوة بشكل ملحوظ عند تصاعد مخاوف التضخم، أو تراجع الثقة في العملة المحلية، أو توقع مزيد من الصعود السعري، ما يدفع الأفراد للشراء السريع خوفًا من فقدان الفرصة.
وقد ظهر ذلك جليًا مع موجة تراجع الجنيه أمام الدولار في 2023 و2024، حين اتجه المواطنون للذهب للتحوط، وارتفعت العلاوة بين السعر المحلي والعالمي لنحو 500 جنيه.
في هذه الحالة، لا يُنظر للذهب فقط كسلعة، بل كأداة تحوط تعكس مزاج السوق ودرجة القلق السائدة.
الخصم: ضغط المعروض أو ضعف الطلب
أما الخصم فيظهر عندما يُباع الذهب بأقل من قيمته العادلة، ويشير غالبًا إلى ركود أو فائض في المعروض، أو ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
قد يؤدي فائض المعروض أو ضعف الطلب إلى اضطرار التجار لتقديم خصومات لتعزيز المبيعات وتصريف المخزون، خصوصًا عند الحاجة للسيولة النقدية.
وتزداد نسبة الخصم في فترات انخفاض الأسعار أو الهدوء النسبي في السوق، كما قد ينتج عن منافسة حادة بين التجار أو دخول كميات كبيرة من الذهب المعاد تدويره.
متى تتحول العلاوة والخصم إلى ظاهرة مستمرة؟
لا يكون العلاوة والخصم دائمًا مؤشرات طبيعية، بل قد يتحولان إلى ظاهرة سوقية عند اتساع الفجوة بين السعر المحلي والعالمي لفترات طويلة.
هذا يشير غالبًا إلى اختلال في آليات العرض والطلب، أو قيود تنظيمية، أو اضطرابات في الاستيراد والتوزيع.
وفي بعض الأحيان، تُستخدم العلاوة لامتصاص الطلب أو لتعويض مخاطر تقلب الأسعار وسعر الصرف، بينما يُستخدم الخصم لجذب السيولة أو إعادة تدوير الذهب المخزن لدى الأفراد.
ومؤخرًا، مع التراجعات الحادة التي شهدتها الأسواق المحلية والعالمية في نهاية يناير الماضي، سجل الذهب بيعًا بعلاوة تراوحت بين 300 و500 جنيه، بهدف التحوط وتعويض الخسائر التي تكبدها بعض التجار نتيجة التقلبات العنيفة.
رغم الجدل الذي يثيره مفهوما العلاوة والخصم بين المستهلكين، فإن لهما دورًا اقتصاديًا مهمًا في ضبط إيقاع السوق.
حيث تعمل العلاوة كآلية توازن تحد من الطلب المفرط عند محدودية المعروض، بينما يساعد الخصم على تحفيز الشراء وتنشيط التداول في فترات الركود، ما يضمن استمرار ديناميكية السوق المحلية وسط تقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف.

















































































