في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الذهب في مصر، لم يعد الجدل بين تجار المشغولات ومصنّعي السبائك مجرد اختلاف في الرؤى، بل تحوّل إلى صراع حقيقي حول هوية السوق ومستقبل الصناعة.
وفي أحدث ردود الفعل، أطلق بعض التجار حملة تحت شعار «بطلنا نبيع السبائك الذهب»، في محاولة لجذب المستثمرين نحو شراء السبائك باعتبارها وعاءً ادخاريًا سريع السيولة، وسط تزايد إقبال العملاء على الاستثمار في المعدن الخام، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في سلوك الادخار لدى شريحة واسعة من المواطنين، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من تأثير هذا الاتجاه على صناعة المشغولات الذهبية والحرفيين الذين يمثلون العمود الفقري للقطاع.
في حين وصف أشرف عبد السلام، تاجر ذهب، عميل السبيكة بأنه يختلف جذريًا عن عميل المشغولات، موضحًا أن ما يقرب من 75% من المشترين يتعاملون مع الذهب باعتباره أداة استثمار بديلة للعقار أو الشهادات البنكية أو البورصة.
من وجهة نظره، هذا التحول يعكس تغيرًا في سلوك الادخار لدى شريحة واسعة من المواطنين، لكنه في الوقت نفسه يفرض واقعًا جديدًا يتطلب إعادة تنظيم العلاقة بين حلقات السوق المختلفة.
التاجر طالب بتدخل شعبة الذهب في الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية لعقد جلسات مع مصنّعي السبائك بهدف إعادة ضبط قواعد اللعبة، مقترحًا رفع هامش ربح التجار إلى 1% على الأقل مع تحديد حد أدنى لوزن السبيكة لا يقل عن 20 جرامًا، أو اعتماد هامش 1.5% دون فرض قيود على الأوزان. ويرى أن إعادة هيكلة الهوامش قد تحقق توازنًا بين حماية مصالح التجار وضمان استمرار تدفق المعروض الاستثماري بشكل منظم.
في المقابل، حذر تامر محمد تاجر ذهب، أن ما يحدث يتجاوز مجرد اختلاف في السياسات التسويقية. فبحسب هذا الرأي، أصبحت شركات السبائك تتحكم بدرجة كبيرة في حركة السوق، وتوجه الطلب بشكل شبه كامل نحو الاستثمار في المعدن الخام، ما يسحب السيولة بعيدًا عن المشغولات الذهبية، ويهدد القيمة الصناعية المضافة التي يقوم عليها القطاع.
ويحذر أصحاب هذا الطرح من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى انكماش إنتاج المشغولات، وإغلاق ورش ومصانع، وخروج آلاف الحرفيين من السوق.
الأخطر، بحسب وصفهم، أن خسارة العمالة الماهرة لا تعني فقط فقدان وظائف، بل ضياع خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من الصياغة والتشكيل والتصميم، وهي خبرات يصعب تعويضها سريعًا إذا ما تآكلت القاعدة الصناعية.
من هنا تتصاعد الدعوات لتدخل عاجل يعيد تنظيم السوق ويحافظ على توازن دقيق بين الاستثمار والصناعة، حتى لا يتحول الذهب من صناعة تضيف قيمة وتشغيلًا إلى مجرد تجارة في معدن خام.
فالمعادلة، كما يراها كثيرون، لم تعد تتعلق بهامش ربح أو وزن سبيكة فحسب، بل بمستقبل صناعة تمثل مصدر رزق لآلاف الأسر، وركيزة من ركائز الاقتصاد الحرفي في مصر.
















































































