شهدت أسعار الذهب والفضة تراجعًا حادًا بعد بلوغهما مستويات قياسية جديدة، ما أثار تساؤلات واسعة داخل الأسواق حول ما إذا كان التصحيح قد انتهى أم أن موجة هبوط إضافية لا تزال محتملة.
خلال الأسابيع الأخيرة، تحرك المعدنان النفيسان بوتيرة متسارعة. فبعد صعود قوي في نهاية يناير إلى قمم تاريخية، تعرضا لضغوط بيعية واضحة أدت إلى تصحيحات عميقة أربكت المتعاملين.
هذا الأسبوع حمل بعض الهدوء النسبي؛ إذ ارتد الذهب من أدنى مستوياته، بل وتداول لفترة وجيزة فوق مستوى 5000 دولار للأوقية. أما الفضة، المعروفة بتقلباتها الأعلى مقارنة بالذهب صعودًا وهبوطًا، فقد شهدت حركة أعنف، لكنها بدت وكأنها وجدت مستوى دعم قرب 70 دولارًا للأوقية.
لماذا تراجع الذهب؟
أشار جوزيف كافاتوني محلل استراتيجي للأسواق في مجلس الذهب العالمي، إلى أن المضاربين لعبوا دورًا رئيسيًا في الهبوط الأخير، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الصعود كان مدفوعًا بتدفقات ذات طابع مضاربي، ومع بدء هؤلاء المستثمرين في جني الأرباح، تعرض السعر لتصحيح طبيعي.
وبحسب رؤيته، فإن ما جرى لا يعكس خللًا في الأساسيات الجوهرية لسوق الذهب، بل هو إعادة تموضع بعد موجة ارتفاع قوية.
الفضة بين التصحيح والجدل
في سوق الفضة، ظهرت تفسيرات إضافية. فإلى جانب التشبع الشرائي، تحدث سافاج عن احتمال استغلال بعض البنوك لحالة الزخم المفرط لتنفيذ عمليات ضغط بيعي منسقة، أدت إلى هبوط حاد اقترب من 30% خلال فترة وجيزة، ما أتاح لها تغطية مراكز مدينة كانت مهددة بالتسليم الفعلي عند مستويات سعرية مرتفعة.
وزاد المشهد تعقيدًا مع تقارير تفيد بأن الملياردير الصيني بيان شيمينغ كوّن أكبر مركز بيع صافٍ على عقود الفضة في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، بقيمة تقارب 300 مليون دولار.
ووفق تحليل لبيانات التداول نشرته بلومبيرج، بدأ في تكثيف رهاناته البيعية خلال الأسبوع الأخير من يناير، بعد أن كان قد بدأ التحول من مراكز شرائية إلى بيعية منذ نوفمبر الماضي. ويُعرف عن المتداول نشاطه كذلك في أسواق الذهب والنحاس.
تأثير السياسة النقدية
على صعيد آخر، أشار بعض المحللين إلى أن ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي ربما ساهم في الضغط على أسعار الذهب والفضة.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختياره في 30 يناير، ما دفع الأسواق إلى استحضار سمعة وورش المتشددة في ما يتعلق بأسعار الفائدة، وسط تساؤلات حول مدى انسجامه مع دعوات ترامب لخفضها، في ظل الخلافات المستمرة مع رئيس الفيدرالي الحالي جيروم باول.
إلا أن نبرة المخاوف هدأت لاحقًا، بعدما صرح ترامب بأن وورش لم يكن ليحصل على المنصب لو كان يعتزم رفع الفائدة.
هل بلغنا القمة؟
رغم حدة التراجعات، فإن غالبية الخبراء الذين أُجريت معهم مقابلات مؤخرًا لا يرون أن الذهب أو الفضة وصلا إلى ذروة الدورة الصاعدة.
أدريان داي من Adrian Day Asset Management ذكّر بأن الأسواق الصاعدة السابقة شهدت تصحيحات عميقة في منتصف المسار قبل استكمال الاتجاه الصعودي.
وأشار إلى هبوط الذهب بنحو 50% بين عامي 1974 و1975، وكذلك تصحيح يقارب 30% في عام 2006 خلال السوق الصاعدة آنذاك، قبل أن يعاود المعدن تحقيق مكاسب قوية.
وبحسب رأيه، فإن التصحيح في حد ذاته ليس احتمالًا فحسب، بل يكاد يكون أمرًا حتميًا في أي سوق صاعدة ممتدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا أمام قمة نهائية.
التقلبات الأخيرة تعكس تداخل عدة عوامل: جني أرباح مضاربي، مراكز بيع كبيرة في الفضة، رهانات فردية ضخمة في الأسواق الآسيوية، وتفاعلات مع المشهد النقدي الأميركي.
غير أن الرؤية السائدة بين عدد من المتخصصين تشير إلى أن الأساسيات الداعمة للذهب والفضة لم تتغير جذريًا.
في نهاية المطاف، تبقى القناعة الاستثمارية الشخصية وفهم أسباب الاحتفاظ بالأصول عاملين حاسمين في التعامل مع فترات العواصف السعرية، سواء كانت مجرد محطة تصحيح ضمن مسار صاعد، أو بداية مرحلة أكثر تعقيدًا في دورة المعادن النفيسة.
















































































