يرى الدكتور فادي كامل، المدير التنفيذي لشركة «ذهب مصر» وعضو الشعبة العامة للذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن ما يشهده سوق الذهب المصري خلال المرحلة الراهنة يتجاوز كونه مجرد موجة ارتفاع في الأسعار، ليعكس تحوّلًا هيكليًا أعمق في طبيعة السوق نفسها وفي سلوك المتعاملين معها، سواء من المستهلكين أو المستثمرين أو حتى من حيث آليات الإدارة والتسعير.
وأوضح أن السوق المحلي لم يعد كيانًا معزولًا كما كان في السابق، بل أصبح شديد الارتباط بالمتغيرات الاقتصادية والنقدية والسياسية العالمية، ويتفاعل بصورة مباشرة مع تحركات الأسواق الدولية، وقرارات البنوك المركزية، والتطورات الجيوسياسية، وهو ما فرض واقعًا جديدًا على جميع أطراف المنظومة.
تحول جذري في نظرة المجتمع للذهب
وأشار كامل إلى أن النظرة المجتمعية للذهب داخل مصر شهدت تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل من كونه مجرد أداة للزينة أو وسيلة ادخار تقليدية مرتبطة بالمناسبات الاجتماعية، إلى أصل استثماري حقيقي وملاذ آمن، يلجأ إليه الأفراد لحماية مدخراتهم من تآكل القوة الشرائية، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
وانعكس هذا التحول بوضوح على هيكل الطلب داخل السوق، إذ لم تعد المشغولات الذهبية تستحوذ وحدها على النصيب الأكبر، بل تصاعد الطلب بصورة لافتة على السبائك والجنيهات الذهبية، باعتبارها الأداة الأكثر كفاءة في الحفاظ على القيمة على المدى المتوسط والطويل.
وعي استثماري جديد وانفتاح غير مسبوق على المعلومات
وأوضح المدير التنفيذي لشركة «ذهب مصر» أن هذا التغير لم يحدث بمعزل عن تطور الوعي الاستثماري، حيث أصبح المستثمر المصري أكثر اطلاعًا على حركة الأسعار العالمية لحظة بلحظة، وأكثر متابعة لتقارير البنوك الاستثمارية الكبرى والمؤسسات المالية الدولية، إلى جانب تأثره بتحركات البنوك المركزية العالمية.
هذا الانفتاح على المعلومات، بحسب كامل، أسهم في خلق جيل جديد من المتعاملين مع الذهب، يتمتع بوعي أعلى وسرعة أكبر في اتخاذ القرار، كما ساعد على كسر الحاجز النفسي المرتبط بشراء الذهب عبر القنوات الإلكترونية، بعدما أثبتت التجربة أن الشراء المنظم من خلال كيانات موثوقة يمكن أن يوفر قدرًا أعلى من الأمان والشفافية مقارنة ببعض الممارسات التقليدية غير المنضبطة.
الذهب وأزمة الثقة في النظام المالي العالمي
وفي سياق متصل، أكد كامل أن الارتفاعات القوية التي سجلها الذهب عالميًا خلال السنوات الأربع الماضية لا يمكن اعتبارها موجة مؤقتة أو حركة مضاربية عابرة، بل تعكس في جوهرها أزمة ثقة حقيقية في النظام المالي العالمي.
وأوضح أن العالم يشهد تصاعدًا غير مسبوق في مستويات الديون السيادية، إلى جانب توظيف العملات الرئيسية، وعلى رأسها الدولار، كأدوات ضغط سياسي واقتصادي، فضلًا عن استمرار التوترات الجيوسياسية من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط. هذه العوامل مجتمعة دفعت الذهب للعودة بقوة إلى صدارة المشهد، ليس فقط كملاذ آمن للأفراد، بل كأصل استراتيجي لدى البنوك المركزية.
وأشار إلى أن البنوك المركزية كثّفت مشترياتها من الذهب بوتيرة غير مسبوقة، حيث تجاوزت احتياطيات الذهب لديها احتياطيات السندات الأمريكية بنحو 20 تريليون دولار بنهاية ديسمبر 2025، في خطوة تهدف بالأساس إلى تحصين الاحتياطيات من مخاطر العقوبات، وانهيار العملات، وتآكل قيمة الأصول الورقية.
ويرى كامل أن الذهب يظل الأساس الحقيقي للنظام المالي العالمي، حتى مع تطور الأدوات المالية وظهور العملات الرقمية، مؤكدًا أن الاحتياطي الذهبي يمثل الضمانة الأخيرة لأي نظام نقدي، وأن الحديث عن انهيار سعر الذهب يتعارض مع منطق الاقتصاد الكلي، لأنه يعكس بشكل مباشر مستويات التضخم واتساع فجوة الدين العالمي.
الفضة تعود بقوة… من معدن ثانوي إلى أصل استراتيجي
ولم يقتصر هذا التحول على الذهب وحده، بل امتد ليشمل الفضة، التي شهدت ارتفاعات غير مسبوقة، حيث سجلت مكاسب بنحو 150% عالميًا و148% محليًا خلال العام الماضي، وسط توقعات بأن تتجاوز أونصة الفضة حاجز 100 دولار قبل الربع الثاني من عام 2026.
وأوضح كامل أن صعود الفضة يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الطلب الصناعي والتكنولوجي المتزايد، خاصة في صناعات الرقائق الإلكترونية، والسيارات الكهربائية، والطاقة الشمسية، وصناعات السلاح، إلى جانب وجود فجوة عالمية واضحة بين العرض والطلب.
كما أشار إلى أن تقييد الصين لصادرات الفضة بالتزامن مع إطلاق صناديق استثمار ضخمة في قطاع التكنولوجيا يعكس تحول الفضة إلى مادة استراتيجية في إطار ما وصفه بـ«حرب المعادن» العالمية، وهو ما عزز اهتمام المستثمرين بها، سواء من الأفراد أو الصناديق الاستثمارية.
وأكد أن السوق المصري بدأ بالفعل في استيعاب هذا التحول، حيث شهد الربع الأخير من عام 2025 طلبًا قويًا على الفضة، ما يعكس نضج الوعي الاستثماري المحلي وسعي المستثمرين إلى تنويع محافظهم وعدم الاعتماد على معدن واحد فقط.
الفارق السعري والتكنولوجيا المالية… من الجدل إلى الفهم
وحول الجدل الدائم بشأن الفارق بين السعر المحلي والعالمي للذهب، أو ما يُعرف بـ«العلاوة السعرية»، أوضح كامل أن هذه الظاهرة لا تمثل خللًا في السوق بقدر ما تعكس ديناميكيات العرض والطلب داخل كل سوق.
وأشار إلى أن هذه العلاوة تظهر بشكل طبيعي في فترات ارتفاع الطلب المحلي مقارنة بالمعروض، خاصة عند الاعتماد على الاستيراد، وهي ظاهرة موجودة في أسواق عالمية كبرى مثل هونج كونج وتركيا، وليست حكرًا على السوق المصري.
وفي هذا الإطار، شدد على أن دور التكنولوجيا المالية لم يكن يهدف إلى السيطرة على الأسعار أو توحيدها، وإنما إلى رفع مستوى الشفافية، من خلال إتاحة الأسعار لحظيًا، وتوضيح المصنعية، وتمكين العملاء من المقارنة بين العروض المختلفة، بما حدّ تدريجيًا من الممارسات غير المنضبطة دون الإخلال بآليات السوق الحرة.
نموذج «ذهب مصر» والتحول الرقمي
وأوضح كامل أن شركة «ذهب مصر» قدمت نموذجًا عمليًا لدمج التكنولوجيا المالية مع ثقافة السوق المحلي، من خلال الاعتماد على التحويلات البنكية بدلًا من التعامل النقدي، والتعاون مع شركات التمويل الاستهلاكي لتقديم نماذج «الاستثمار الآن والدفع لاحقًا»، بما يعزز الشمول المالي.
وأضاف أن الشركة تعمل كوكيل للعميل في تخزين الذهب لدى شركة «إيجي كاش» (EGY-Cash)، أمين حفظ المعادن الثمينة المرخص من هيئة الرقابة المالية، حيث يتم ربط كل سبيكة برقم تسلسلي ضمن عقد رسمي يضمن حقوق العميل.
كما تم تأسيس شركة شقيقة باسم «هاف» (Hav) لتوفير أنظمة تخطيط موارد متكاملة (ERP) وحلول تكنولوجية متقدمة للتجار والمصنعين، تسهم في أتمتة عمليات التسعير والتحوط وإدارة المخزون.
آفاق مستقبلية وتنظيم السوق
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور فادي كامل أن سوق الذهب في مصر يدخل مرحلة نضج حقيقية، مدفوعًا بتغيرات اقتصادية عالمية عميقة، وتطورات تكنولوجية متسارعة، وارتفاع ملحوظ في وعي المستثمرين.
وكشف عن مقترحات قيد الدراسة لتشكيل لجنة داخل شعبة تجارة الذهب، بالتعاون مع الجهات الرقابية، لمراجعة سجلات شركات التكنولوجيا المالية العاملة في هذا المجال، بما يضمن مصداقيتها ويحمي حقوق المستهلك.
كما توقع ظهور منتجات مالية جديدة مدعومة بالذهب، تشمل صناديق استثمار غير تقليدية ومنتجات مصرفية تهدف إلى ربط القطاع المصرفي بسوق المعادن الثمينة، فضلًا عن تأسيس شركة «جرامز» (Gramz) الموجهة إلى فئة الشباب، لنشر ثقافة الادخار والاستثمار في المعادن الثمينة كبديل مستدام في العصر الرقمي.

















































































