شهدت الأسواق المالية العالمية في الأسابيع الأخيرة تحوّلات غير مسبوقة في استراتيجية إدارة الاحتياطيات الرسمية لدى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الصين، إذ أقدمت بكين على تخفيض حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى أدنى مستوى منذ نحو 17 عامًا، في حين عززت بشكل مطّرد مشترياتها من الذهب، في مؤشر قوي على تغيير أولويات الأصول الاحتياطية على خلفية التوترات الاقتصادية والجيوسياسية.
انخفاض تاريخي في حيازات سندات الخزانة الأمريكية
تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية أن الصين قلّصت حيازتها من السندات الأمريكية إلى نحو 682.6 مليار دولار في نوفمبر 2025، مقارنة بـ688.7 مليار في أكتوبر من العام نفسه، وهو أدنى مستوى منذ عام 2008. يأتي هذا الانخفاض في سياق trended طويل الأمد منذ ذروة بلغت حوالي 1.32 تريليون دولار في 2013.
ويمثّل هذا التحوّل استمرارًا لسياسة تقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار، إذ تراجع حضور الصين بين أكبر حائزي الدين الأمريكي، بينما تعزز قوى أخرى مثل اليابان والمملكة المتحدة حيازاتها في الفترة نفسها.
اتجاه استراتيجي نحو الذهب والتنويع
على النقيض من ذلك، تُواصل بكين زيادة احتياطياتها من الذهب بشكل منتظم، إذ أظهرت بيانات People’s Bank of China أن المخزون وصل إلى نحو 74.15 مليون أوقية بنهاية ديسمبر 2025 بعد زيادة شهرية تضاف إلى سلسلة توسّع بلغت 14 شهرًا متواصلًا.
المحللون يرون في هذا النمط استراتيجية مدروسة لإعادة توازن المحفظة الاحتياطية، بعيدًا عن المخاطر المحتملة لصندوق سندات الخزانة الأمريكية، ولتعزيز القدرة على المواجهة في أوقات التوترات الاقتصادية والسياسية بين القوى الكبرى.
خلفيات التحرك: سياق جيوسياسي واقتصادي أوسع
تعكس هذه التغييرات تركيزًا متزايدًا لدى الصين على تقليل المخاطر المرتبطة بالسياسات المالية الأمريكية، لاسيما في ظل استمرار الجدل حول استقلالية مجلس الاحتياطي الاتحادي (الفيدرالي) ومستويات الدين الفيدرالي المرتفعة.
ويرى اقتصاديون أن بكين لا تسعى إلى “شن حرب مالية” ضد الدولار الأمريكي، بل إلى تنويع محافظ احتياطياتها وتقليل الاعتماد على سندات الخزانة الأميركية كثمرة استراتيجية طويلة الأجل.
تداعيات وتحولات محتملة على النظام المالي العالمي
التحول في سياسة الصين تجاه الأصول الاحتياطية يأتي في وقت تتصدر فيه التوترات الاقتصادية القائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبين الولايات المتحدة وآسيا عناوين الأخبار المالية، ما يعزز حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية ويُضفي أهمية متزايدة على الأصول الآمنة مثل الذهب.
ويُنظر إلى استمرار الصين في شراء الذهب وتخفيف الاعتماد على سندات الخزانة الأمريكية كجزء من إعادة هيكلة عامة في موازين القوة الاقتصادية العالمية، مع احتمالات ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة وتقلّب في أنماط الاستثمار الدولي خلال الفترات المقبلة.


















































































