في وقتٍ تتزاحم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية على الساحة العالمية، يدخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اجتماعه الأول في عام 2026، والمقرر يوم الأربعاء 28 يناير، وسط ضغوط غير مسبوقة وتعقيدات متشابكة، تمتد من البيت الأبيض إلى الأسواق العالمية.
الأنظار تتجه إلى قرار الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة: تثبيت أم خفض؟
لكن المشهد هذه المرة لا تحكمه المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل تفرض السياسة ظلالها الثقيلة، بعد فتح تحقيق جنائي مع رئيس البنك المركزي الأمريكي على خلفية اتهامات تتعلق بإنفاق أموال عامة، وهو ما اعتبره الأخير «ضغطًا سياسيًا مباشرًا» من إدارة الرئيس دونالد ترامب، بسبب رفضه تسريع وتيرة خفض الفائدة.
حرب رسوم جديدة… وترامب يعيد سيناريو الصدام التجاري
في الخلفية، يواصل ترامب إشعال بؤر توتر جديدة. فبعد خلافات مع فنزويلا، انتقلت المواجهة سريعًا إلى أوروبا، على خلفية النزاع حول جزيرة جرينلاند، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية اعتبارًا من فبراير المقبل، ترتفع إلى 25% بدءًا من يونيو في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
أوروبا لم تتأخر في الرد، ملوّحة بفرض رسوم مضادة بقيمة 93 مليار يورو على السلع الأمريكية، مع تشديد القيود على الشركات الأمريكية العاملة داخل الاتحاد الأوروبي، ما يعيد إلى الأذهان مشاهد حرب الرسوم الجمركية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
الفيدرالي… قرار شبه محسوم
وسط هذا الضجيج، تبدو توقعات الأسواق شبه مجمعة:
نحو 95% من التقديرات ترجّح تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، مقابل احتمالات ضعيفة لا تتجاوز 5% لخفضها بربع نقطة مئوية.
قرار محسوم نظريًا، لكنه قد لا يكون كافيًا لتهدئة الأسواق في ظل تصاعد المخاطر السياسية.
الدولار يضعف… لكن الصورة معقدة
الدولار الأمريكي يواصل التراجع عالميًا منذ تولي ترامب الحكم، حيث يتحرك مؤشر الدولار في اتجاه هابط أمام سلة من العملات الرئيسية، أبرزها اليورو والين والجنيه الإسترليني.
ورغم أن تثبيت الفائدة قد يمنح العملة بعض التماسك، فإن تصاعد النزاعات التجارية وزيادة تكلفة الاستيراد، إلى جانب مخاوف التضخم المستقبلي، يضغط بقوة على الدولار.
أما في مصر، فالصورة تختلف نسبيًا.
حركة الدولار المحلي تظل مرتبطة أساسًا بعوامل العرض والطلب، والتدفقات الدولارية، والالتزامات الخارجية، وليس بالضرورة أن ينعكس ضعف الدولار عالميًا مباشرة على سعره محليًا.
لكن تراجع العملة الأمريكية عالميًا قد يدعم زيادة استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، في ظل العائد المرتفع ومستوى المخاطر المقبول.
وفي سيناريو طبيعي، تشير التقديرات إلى تحرك الدولار في مصر خلال 2026 ضمن نطاق يتراوح بين 44 و50 جنيهًا، بزيادة أو تراجع لا يتجاوز 5%.
الذهب… المستفيد الأكبر من الفوضى
وسط هذا المشهد، يبرز الذهب كالرابح الأوضح.
منذ بداية العام، تحولت قرارات ترامب وأزماته المتلاحقة إلى وقود مباشر لصعود المعدن الأصفر. اللافت أن معظم هذه الأحداث وقعت في عطلات نهاية الأسبوع، لتفتتح الأسواق بعدها على فجوات سعرية صاعدة.
-
أزمة فنزويلا دفعت الذهب للارتفاع مطلع يناير
-
التحقيق مع رئيس الفيدرالي فجّر موجة صعود فوق 4600 دولار
-
التصعيد مع أوروبا دفع الأسعار لاختراق 4700 دولار للأوقية
بات الذهب اليوم يسعّر المخاطر السياسية قبل الاقتصادية، ولم يعد قرار الفيدرالي وحده هو المحرك الأساسي.
هل يهدّئ تثبيت الفائدة اندفاع الذهب؟
الإجابة المختصرة: لا.
الأسواق باتت تُدار بمنطق الخوف وعدم اليقين، وليس فقط بعوائد الفائدة. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، يظل الزخم داعمًا للذهب والفضة، حتى في حال تثبيت السياسة النقدية.
إلى أين تتجه الأسعار في الربع الأول من 2026؟
تشير توقعات عدد من بيوت الاستثمار والمحللين إلى إمكانية اقتراب الذهب من مستوى 5000 دولار للأوقية خلال الربع الأول من العام، لكن مع تقلبات حادة صعودًا وهبوطًا.
التقلبات هنا تعني تحركات سريعة وعنيفة مع كل خبر أو تصريح، في سوق بات شديد الحساسية، خاصة مع تنامي المضاربات، ولا سيما في سوق الفضة.
ماذا يفعل المدخرون؟
في بيئة كهذه، ينصح الخبراء باتباع استراتيجية الشراء المتدرج:
-
تقسيم المبلغ المخصص للذهب على دفعات زمنية
-
الشراء على مراحل بدلًا من الدخول بمبلغ واحد
-
بناء متوسط سعر يحمي من الصدمات المفاجئة
فالذهب، رغم قوته، يظل سوقًا لا يخلو من المخاطر، ومع عنف الصعود يجب دائمًا وضع احتمال التصحيح في الحسبان.
ما بين فيدرالي محاصر سياسيًا، ودولار يتراجع، وتصعيد تجاري متسارع، يواصل الذهب ترسيخ موقعه كملاذ آمن أول.
لكن الطريق إلى القمم الجديدة لن يكون مستقيمًا، بل مليئًا بالمنعطفات… وعلى المستثمر أن يقود بحذر.


















































































