يثير الحديث المتكرر عن اتجاه مصر لإنشاء مصفاة وطنية للذهب تساؤلًا مشروعًا: هل نحن أمام مشروع اقتصادي تفرضه الأرقام، أم أمام فكرة جذابة سياسيًا لكنها لا تنسجم مع واقع الإنتاج؟
في قضايا الذهب، لا تكفي النوايا الحسنة ولا الشعارات المرتبطة بـ«القيمة المضافة»، فالأمر في جوهره حسابات دقيقة تتعلق بحجم الإنتاج، وتدفقات الخام، وتكلفة التشغيل، والعائد المتوقع.
الذهب، بطبيعته، ليس مجرد سلعة، بل صناعة متكاملة تتطلب توافر حجم إنتاج كافٍ، وبنية تشريعية وتجارية داعمة، حتى تصبح المصافي عنصر قيمة مضافة وليس عبئًا رأسماليًا.
ما حجم إنتاج مصر من الذهب؟
وفق البيانات المتاحة، يبلغ الإنتاج الرسمي لمصر من الذهب نحو 18 إلى 20 طنًا سنويًا، يأتي أكثر من 95% منها من منجم السكري بالصحراء الشرقية، بينما تظل باقي الامتيازات في مراحل استكشاف أو إنتاج محدود لا يتجاوز طنًا واحدًا مجتمِعًا.
وبذلك، فإن إجمالي الإنتاج الرسمي لمصر يدور حول 20 طنًا سنويًا، وهو رقم يُعد متواضعًا عند مقارنته بالدول التي تمتلك مصافي ذهب ذات طاقات تشغيلية كبيرة.
يُثار أحيانًا أن الذهب المستخرج بطرق غير رسمية قد يغيّر من معادلة الجدوى، غير أن التقديرات الواقعية، وفق شهادات خبراء ومتابعين ميدانيين، تشير إلى أن إنتاج الذهب العشوائي في مصر يتراوح بين 3 و7 أطنان سنويًا في أفضل الأحوال، مع صعوبة ضبط هذا الرقم بدقة.
حتى بافتراض السيناريو الأكثر تفاؤلًا، فإن إجمالي الإنتاج (رسمي + غير رسمي) لن يتجاوز 27 طنًا سنويًا، وهو حجم لا يبرر اقتصاديًا إنشاء مصفاة ذهب كبيرة ذات تكلفة رأسمالية مرتفعة.
هذا الرقم، ببساطة، لا يضع مصر في مصاف الدول التي تحتاج إلى مصفاة ذهب كبيرة ذات طاقة تشغيل مرتفعة، ولا يقارن بتجارب دول تعالج مئات الأطنان سنويًا.
هل نخسر لأننا نكرر في الخارج؟
أحد المبررات الشائعة لإنشاء مصفاة محلية هو أن مصر تصدر ذهبها خامًا، وتفقد بذلك جزءًا من قيمته، لكن الواقع الفني يقول غير ذلك.
الذهب المصري يُنتج في صورة ذهب دوري (Doré) بنقاء مرتفع نسبيًا، وتكلفة تكريره عالميًا محدودة للغاية ولا تمثل عبئًا حقيقيًا على العائد، أي أن التكرير في الخارج لا يشكل نزيفًا اقتصاديًا يستدعي استثمارًا رأسماليًا ضخمًا داخل البلاد.
الذهب المنتج من منجم السكري يُصنف كـ ذهب دوري (Doré)، بنسبة نقاء تتراوح بين 90 و95%، وهو مستوى مقبول عالميًا، ويجري تكريره في الخارج بتكلفة منخفضة نسبيًا لا تمثل عبئًا يُذكر على العائد التصديري.
تكلفة تكرير الأوقية عالميًا تتراوح بين 5 و10 دولارات فقط، ما يعني أن مصر لا تخسر قيمة مضافة جوهرية بسبب إجراء التكرير خارج حدودها، خاصة في ظل محدودية حجم الإنتاج.
السوق المحلية تمتلك قدرات قائمة بالفعل
النقطة الأكثر أهمية في هذا النقاش هي أن مصر تمتلك بالفعل كيانات قادرة على تكرير الذهب المتداول محليًا.
عدد من الشركات العاملة في تصنيع السبائك تمتلك مصافي خاصة بها، تقوم فعليًا بتجميع الذهب من السوق المحلية، سواء من المشغولات المستعملة أو المخلفات، ثم تكريره وإعادة تشغيله مرة أخرى داخل مصر وفق معايير صناعية وتجارية معروفة.
وجود هذه الشركات يؤكد أن القدرة الفنية والبشرية متوافرة، ولو على نطاق متوسط، وأن حجم الذهب المتداول في السوق المصرية يمكن استيعابه دون الحاجة إلى مصفاة ضخمة مستقلة. بل إن أي شركة تمتلك مصفاة قائمة، داخل مصر أو خارجها، قادرة على التعامل مع هذا الحجم من الإنتاج دون صعوبة تشغيلية.
لماذا تنجح المصافي في دول أخرى؟
غالبًا ما تُستدعى تجربة الإمارات عند الحديث عن مصافي الذهب، غير أن هذه المقارنة تتجاهل اختلاف النموذج بالكامل.
الإمارات لم تنشئ مصافيها اعتمادًا على إنتاجها المحلي، بل على موقعها كمركز عالمي لتجارة الذهب، تستقبل الخام من عشرات الدول، وتدير شبكات تجارة وإعادة تدوير عابرة للحدود.
أما مصر، فهي ليست مركز عبور للذهب، ولا تمتلك تدفقات إقليمية ثابتة من الخام، ولا تشريعات تسمح بسهولة استيراد الذهب وتدويره بكميات ضخمة. وبالتالي، فإن نقل التجربة دون نقل شروطها هو وصفة لمشروع يعمل بنصف طاقته… أو أقل.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن واقع صناعة تكرير الذهب في القارة الإفريقية، حيث توجد بالفعل مصافٍ كبرى قادرة على التعامل مع كميات تفوق بكثير حجم الإنتاج المصري.
ففي جنوب إفريقيا تعمل Rand Refinery، وهي أكبر مصفاة ذهب في القارة وواحدة من الأكبر عالميًا، بطاقة تتعامل مع مئات الأطنان سنويًا، وتقدم خدمات تكرير معتمدة وفق معايير سسوق رابطة لندن للسبائك LBMA.
كما تضم دول مثل غانا وتنزانيا مصافي إقليمية تخدم إنتاجها المحلي وتستقبل خامًا من دول الجوار، وتتميز هذه المصافي بأن تكلفة التكرير منخفضة نسبيًا، إذ تتراوح عادة بين 0.5% و2% من قيمة الذهب في المصافي الكبرى، وقد تصل إلى 2–5% في المصافي المتوسطة، وهو ما يعادل بضعة دولارات فقط لكل جرام.
هذا الواقع يؤكد أن حجم إنتاج مصر من الذهب يمكن لأي مصفاة قائمة في إفريقيا أو خارجها أن تستوعبه بسهولة، دون الحاجة إلى إنشاء مصفاة ضخمة جديدة لا تفرضها ضرورات فنية أو اقتصادية ملحّة.
في المقابل، لا تُعد مصر مركزًا إقليميًا لتجارة الذهب الخام، ولا تمتلك شبكة استيراد نشطة للذهب الإفريقي، ولا بيئة تشريعية مماثلة تسمح بتدفقات ضخمة من الخام إلى المصافي.
الخطر الحقيقي: أصل معطّل
المشكلة ليست في فكرة المصفاة بحد ذاتها، بل في حجمها.
إنشاء مصفاة ذهب بطاقة كبيرة يتطلب حجم تدفقات سنوية ثابتة، واستمرارية تشغيل عالية، وقدرة على جذب خام من خارج الدولة، وهي شروط غير متوافرة حاليًا في الحالة المصرية.
النتيجة المحتملة لمثل هذا المشروع، إذا نُفذ بحجم يفوق احتياجات السوق، هي، طاقة تشغيل معطلة، وارتفاع تكلفة التشغيل للجرام، وضعف العائد على الاستثمار
وهو ما يحول المشروع من أداة قيمة مضافة إلى عبء استثماري.
المنطق الاقتصادي يشير إلى أن مصر قد تستفيد من: وحدة تكرير صغيرة أو متوسطة، وبطاقة تتناسب مع الإنتاج المحلي
تخدم الذهب الرسمي وغير الرسمي، ووتلبي احتياجات السوق الداخلية والبنك المركزي، أما القفز مباشرة إلى مصفاة ضخمة، فهو قرار لا تدعمه الأرقام الحالية، مهما بدا جذابًا على الورق.
لا تشير الأرقام المتاحة إلى حاجة مصر لإنشاء مصفاة ذهب ضخمة على نمط التجارب الخليجية، غير أن ذلك لا ينفي جدوى إنشاء وحدة تكرير صغيرة أو متوسطة بطاقة تتراوح بين 30 و50 طنًا سنويًا، تخدم الإنتاج المحلي، والذهب غير الرسمي، واحتياجات السوق الداخلية والبنك المركزي، دون تحميل الاقتصاد أعباء استثمارية غير مبررة.
في اقتصاد الذهب، لا تُقاس قوة الدولة بحجم المصفاة، بل بمدى توافقها مع واقع الإنتاج والتجارة، وأي قرار لا ينطلق من هذه القاعدة، يظل مشروعًا سابقًا لأوانه.
وهو ما يفرض ضرورة التعامل مع ملف مصفاة الذهب بمنطق الأرقام، لا التطلعات.

















































































