تشهد صناعة الحُلي والمجوهرات، ولا سيما المشغولات الفضية، ضغوطًا متزايدة مع الارتفاعات القياسية في أسعار الفضة عالميًا ومحليًا، ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع المصممين والورش الصغيرة والمتوسطة، وفرض تحديات تشغيلية وتمويلية غير مسبوقة، بحسب عاملين في القطاع.
وقالت زينب خليفة، مصممة مجوهرات، إن ورش صناعة الفضة تمر بـ«مرحلة مقلقة» تهدد استمرارية عدد كبير منها، موضحة أن القفزات الحادة في أسعار الخام جعلت الحصول على الفضة أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة للورش التي كانت تعتمد على التسهيلات الائتمانية.
وأضافت أن تجار الخام باتوا أكثر تحفظًا في منح الكميات الصغيرة للورش، خشية المخاطر المالية، ما أدى إلى تعطّل دورة رأس المال وتباطؤ الإنتاج.
وأشارت خليفة إلى أن بعض الورش لجأت اضطرارًا إلى التحول لاستخدام خامات أقل تكلفة مثل النحاس، كحل مؤقت للبقاء، محذرة من أن اتساع هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تشبع السوق بمنتجات أقل جودة، ويؤثر سلبًا على سمعة الصناعة على المدى الطويل، دون أن يحل الأزمة الأساسية المتعلقة بتوقف نشاط ورش الفضة والذهب الأصيلة.
من جانبها، أوضحت الدكتورة هاجر نبيل، مصممة الحُلي والمجوهرات، أن ارتفاع أسعار الفضة انعكس مباشرة على تكاليف التنفيذ والتسعير، ودفع كثيرًا من الورش إلى التوقف عن تسعير الطلبيات أو إرجائها، خشية تقلبات الأسعار.
وأضافت أن تكلفة تنفيذ بعض القطع—even باستخدام خامات بديلة مطلية—ارتفعت بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات الماضية، ما حدّ من القدرة على تلبية الطلبات الخاصة والتصميمات الحصرية.
في المقابل، رأت هبة جلال، مصممة حُلي وصاحبة مشروع، أن غلاء الفضة يمثل «تحديًا أكثر منه أزمة»، مؤكدة أن الارتفاعات ليست محلية بل عالمية، وتتطلب من المشروعات الجادة إعادة ترتيب أولوياتها.
وأوضحت أن التحدي الأكبر يكمن في التخطيط وإدارة المخزون وتسعير القطع، مع الحفاظ على الجودة والقيمة الفنية.
وأضافت أن أي ارتفاع في سعر الخام ينعكس بطبيعة الحال على المنتج النهائي، سواء في الفضة أو الذهب، لكنه لا يلغي أهمية التنويع الذكي في الخامات لخدمة شرائح سعرية مختلفة دون المساس بدور الفضة وقيمتها كملاذ آمن.
وأشارت جلال إلى أن السوق يشهد تمايزًا واضحًا بين مستهلك استثماري يتجه لشراء السبائك، ومستهلك يهتم بالمشغولات، مؤكدة أن المشغولات اليدوية المتفردة لا تعتمد على وزن الخام فقط، بل على التصميم والوقت والمهارة، وأن الضغط الأكبر يقع على القطع التجارية التقليدية المعتمدة على الوزن.
بدوره، قال أحمد الفحام، مصمم حُلي ومجوهرات، إن تقلبات أسعار الفضة تُحدث ارتباكًا في عملية التصنيع، إلا أن ارتفاع السعر يعزز من قيمة المعدن على المدى المتوسط.
وأضاف أن سوق المشغولات قد يمر بفترة «استراحة» قصيرة، قبل أن يعود الطلب تدريجيًا مع استقرار الأسعار، لافتًا إلى أن الفضة تظل خامة أساسية لا يمكن استبدالها في التصميمات ذات القيمة، بعكس خامات الإكسسوارات.
وأكدت الدكتورة مي الهادي، مصممة حُلي ومجوهرات، أن ارتفاع الأسعار أدى إلى تراجع المبيعات والإنتاج، باعتبار المشغولات الفضية سلعًا غير أساسية لدى شريحة من المستهلكين.
وأضافت أن المصممين اتجهوا إلى ابتكار تصميمات أخف وزنًا لتقليل السعر النهائي، مع الإقرار بأن ذلك قد يؤثر على الجودة. كما أشارت إلى زيادة الطلب على النحاس المطلي فضة أو ذهب، مدعومًا بسعره التنافسي واتساع سوقه محليًا وعربيًا، في ظل ضعف وعي المستهلك بقيمة الفضة الاستثمارية.
وفي السياق ذاته، أوضحت يسرى رمضان، مصممة حُلي ومجوهرات، أن الإقبال المتزايد على السبائك سحب جزءًا من الطلب على المشغولات، ودفع المصممين إلى تقليص عدد تصميمات الفضة ضمن المجموعات الجديدة، مقابل التوسع في الخامات البديلة. وأضافت أن الزيادات الحادة في سعر الجرام مقارنة ببدايات العمل أثرت بشكل كبير على القدرة على إعادة شراء الخام. ودعت إلى نشر ثقافة تداول المشغولات الفضية باعتبارها قابلة للبيع والشراء، بما يدعم الطلب ويخفف الضغوط عن المصنعين.
وفي ظل هذه التحديات، يجمع العاملون بالقطاع على أهمية التدخل الداعم للمشروعات الصغيرة، عبر تخفيف الأعباء الضريبية وتوفير مظلة تأمينية للعاملين، بما يسمح للورش بالعمل بشكل منظم، والحفاظ على هذا القطاع الحرفي الذي يمثل جزءًا أصيلًا من الاقتصاد والتراث الصناعي.

















































































