في واحدة من أكثر جلسات يناير 2026 إثارة، عاشت أسواق المعادن الثمينة الخميس 29 يناير حالة من التقلبات الكبرى؛ فبعد ساعات من قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت الفائدة عند 3.5% – 3.75%، اندفع الذهب ليلامس سقف 5600 دولار للأونصة بينما لامست الفضة حاجز الـ 120 دولارًا، قبل أن ترتد الأسعار بعنفٍ سقط معه سعر الذهب لأكثر من 400 دولار في لحظات، والفضة نحو 20 دولار.[1] هذا المشهد يطرح سؤال هام: هل انتهت موجة الصعود؟
بين مطرقة ترامب وسندان استقلالية الفيدرالي
ما حدث في كواليس اجتماع الفيدرالي الأمريكي الأخير كان أخطر من مجرد الحوار حول رقم فائدة، المؤتمر الصحفي لجيروم باول، الذي جاء وسط تحقيقات جنائية من وزارة العدل يواجها باول بشأن نفقات تجديد مقر الفيدرالي، كشف عن شرخ عميق بين الإدارة الأمريكية والبنك المركزي. حيث رأت الأسواق أن التحقيقيات أداة ضغط لإجبار البنك على خفض الفائدة تماشيًا مع رغبة الإدارة الأمريكية في تحفيز الاقتصاد،[2] ومن ثم رأت في صمود باول واعلانه تثبيت الفائدة (رغم ضغوط البيت الأبيض) إشارة إلى أن السياسة النقدية قد تظل مشددة لفترة أطول. هذا هو السبب المباشر لعمليات جني الأرباح العنيفة التي شهدناها مؤخرًا.
عندما أظهر باول نبرة متشددة وأكد على قوة النشاط الاقتصادي، حدث انفصال في السوق، والمستثمرون الذين راهنوا على استسلام الفيدرالي لضغوط البيت الأبيض وباعوا الدولار لشراء الذهب، وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقعية نقدية أعادت الروح للدولار، ومن ثم فضلوا تأمين المكاسب بتصفية مراكزهم من المعادن وانتظار وضوح الرؤية السياسية، وهو ما تسبب في هبوط الذهب والفضة المفاجئ من القمة التاريخية.
الحركة السعرية: تصحيح أم انهيار؟
فنيًا، كان وصول الذهب لقمة 5600 دولار والفضة إلى 120 دولار يعني دخول المعادن في مناطق التضخم السعري، والهبوط الذي حدث نحو مستويات 5200 – 5250 دولار (بفارق 400 دولار في جلسة واحدة) هو تصحيح يهدف إلى طرد المضاربين الصغار وأصحاب الرافعات المالية العالية، ويفسره علم سلوكيات السوق عبر محورين:
- انفجار فقاعة المضاربة: الارتفاع الحاد من منتصف شهر يناير كان مدفوعًا بـحالة من الهلع الشرائي، ووصول السعر للقمة التاريخية فعّل آلاف من أوامر البيع التلقائية لصناديق الاستثمار الكبرى، هذا التدفق الضخم للسيولة البيعية أدى إلى ما يسمي بـتأثير الدومينو،[3] وهو ما أرعب صغار المستثمرين ودفعهم للبيع الهلعي، ومن ثم خلق موجة بيع متتالية لم تصمد أمامها طلبات الشراء المتواضعة عند القمة.
- الفضة: باختراقها حاجز 120 دولارَا، عانت من ضعف السيولة اللحظي، وبسبب طبيعتها المتذبذبة، كان تراجعها نحو مستويات 110 دولار كفيلاً بإثارة ذعر المستثمرين في الذهب أيضًا، نظرًا للارتباط الوثيق بين المعدنين.
العجز الهيكلي.. لماذا لا نزال في سوق صاعدة؟
رغم الانهيار الذي شهدته شاشات التداول يوم الخميس 29 يناير، إلا أن الأساسيات الاقتصادية لا تزال تهمس بالصعود لسببين:
- فجوة العرض المادي: لا يزال العالم يواجه عجزًا هيكليًا متفاقمًا في المعروض من الفضة، مع تزايد الطلب في قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية وصناعة الرقائق، هذا العجز لا يمحوه هبوط سعري ناتج عن مضاربات ورقية.
- الدين السيادي الأمريكي: مع وصول الدين العام لمستويات فلكية، يظل الذهب هو العملة الوحيدة التي لا تمثل دينًا على أحد، كما أن الصراع المؤسسي بين الفيدرالي والبيت الأبيض يزيد من قيمة الذهب كأصل سيادي، لأن الثقة في السندات كأصل احتياطي تتآكل فعليًا.
الرؤية الاستشرافية لعام 2026
- على المدى القصير: قد يستمر التذبذب العنيف. فنيًا يحتاج الذهب للاستقرار فوق 5100 دولار لبناء قاعدة سعرية جديدة. كسر هذا المستوى لأسفل، قد يفتح الباب لتصحيح أعمق ويقودنا لاختبار مناطق4800 دولار.
– على المدى الطويل: تظل الأهداف عند 6000 دولار قائمة طالما أن الصدام المؤسسي في واشنطن مستمر، فالذهب اليوم لم يعد مجرد زينة، بل أصبح درعًا في وجه نظام مالي يُعاد تشكيله تحت ضغط الديون والسياسة.
فإذا استمر الصدام السياسي وتآكلت الثقة في السندات الأمريكية، فإن قمة (5600$) ستصبح مجرد محطة في رحلة قد تصل بالذهب لمستويات 7000 دولار والفضة إلى 150 دولارًا قبل نهاية العام.
الخلاصة: الهبوط الحاد الذي شهده الذهب والفضة يوم29 يناير يبدو في ضوء المعطيات الفنية والأساسية تصحيحًا ناتجًا عن جني أرباح كثيف بعد موجة صعود مضاربية، وليس إشارة مؤكدة على نهاية الاتجاه الصاعد، ورغم التقلبات قصيرة الأجل المرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية، لا تزال العوامل الهيكلية—كالعجز في المعروض وارتفاع المخاطر السيادية—تدعم النظرة الإيجابية للمعادن الثمينة على المدى المتوسط إلى الطويل.

[1] investing.com. (2026). “XAG/USD العقود الفورية للفضة دولار أمريكي”, At: https://sa.investing.com/currencies/xag-usd
[2] Glenn Thrush and Colby Smith. (2026). Federal Prosecutors Open Investigation Into Fed Chair Powell, The New York Times. At: https://www.nytimes.com/2026/01/11/us/politics/jerome-powell-fed-inquiry-trump.html
[3] تأثير الدومينو في الأسواق: هو ظاهرة اقتصادية تحدث عندما يؤدي حدث سلبي أولي (مثل إفلاس شركة، أو أزمة في قطاع معين) إلى سلسلة متتالية من الانهيارات المترابطة في شركات، أو قطاعات أخرى، مماثلة لقطع الدومينو المتساقطة، فسقوط القطعة الأولى قد يؤدي إلى سقوط جميع القطع الأخرى. يُعرف أيضاً بـ “رد الفعل المتسلسل” أو “العدوى المالية”. راجع في ذلك:
Nathan Mahr. (2026). Domino Effect Meaning & Examples, Study.com.
At: https://study.com/academy/lesson/domino-effect-overview-examples.html
















































































