أعادت حكومة مالي توزيع 33 مليون دولار من عائدات التعدين على المناطق المتأثرة بالتعدين والمناطق الأخرى الأقل نموًا في البلاد الأسبوع الماضي، وذلك خلال مراسم أقيمت في القصر الرئاسي كولوبا، برئاسة الرئيس العقيد أسيمي جويتا.
وحصلت البلديات المحلية الواقعة في مناطق التعدين النشطة على نصف هذا المبلغ، بينما تم توزيع النصف الآخر بين الإدارات الإقليمية التي تقع فيها مناطق التعدين، وكذلك المناطق غير التعدينية من خلال آلية موازنة تهدف إلى معالجة التفاوت في التنمية بين مناطق البلاد.
وتعد مالي ثاني أكبر منتج للذهب في إفريقيا. لكن لعقود منذ الاستقلال عن فرنسا، كانت معظم أرباح التعدين تذهب إلى الشركات الأجنبية، بينما كان الباقي يذهب إلى عمال التعدين الأهليين المحليين، ولم تتخذ الحكومات المدعومة من فرنسا إجراءات لإعادة توجيه هذه الأموال إلى المجتمعات المحلية.
القومية المواردية كركيزة للسيادة
بدأ هذا الوضع يتغير بعد الإطاحة بالنظام المدعوم من فرنسا للرئيس السابق Ibrahim Boubacar Keïta في انقلاب عام 2020 الذي حظي بدعم شعبي، وسط احتجاجات واسعة طالبت بخروج القوات الفرنسية من البلاد.
وتبنت الحكومة العسكرية الانتقالية بقيادة العقيد غويتا، والتي عززت دعمها الشعبي بعد طرد القوات الفرنسية، سياسة القومية المواردية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تأكيد السيادة الوطنية.
وبناءً على ذلك، اعتمدت مالي قانون تعدين جديد في أغسطس 2023، يفرض ملكية إلزامية للدولة بنسبة 10% في جميع مشروعات التعدين الجديدة، مع إمكانية زيادة حصة الدولة إلى 35%.
كما يلزم القانون شركات التعدين بتكرير ومعالجة المعادن داخل البلاد قبل تصديرها، في تحول من مجرد استخراج الموارد إلى إضافة قيمة صناعية، وهو ما ساهم في زيادة عائدات التعدين بنسبة 52.5% في عام 2024.
التأميم المحدود مع استمرار الاستثمار الأجنبي
في أكتوبر 2024، قامت الحكومة بتأميم منجم ياتيلا للذهب في منطقة كايس غرب البلاد، والذي كان مملوكًا لشركتين كندية وجنوب إفريقية. وفي يونيو 2025، قامت أيضًا بتأميم منجم موريلا للذهب في منطقة سيكاسو.
وكانت عمليات التعدين في المنجمين قد توقفت بعد أن اشتكى المالكون السابقون من انخفاض هوامش الربح، لكن التقديرات تشير إلى أن المنجمين لا يزالان يحتويان على أكثر من 1.5 مليون أوقية من الذهب.
ورغم احتفاظ الدولة بالملكية، وقعت الحكومة اتفاق شراكة مع شركة Flagship Gold Corp الأمريكية في أكتوبر 2025 لإعادة تشغيل الإنتاج في منجم موريلا، كما تجري جهود لإعادة تشغيل منجم ياتيلا.
ولم تقم الحكومة بتأميم جميع المناجم العاملة، إذ لا تمتلك مالي القدرة الفنية لتشغيل قطاع التعدين بالكامل دون استثمارات أجنبية. لذلك تسمح قوانين التعدين بملكية أجنبية تتراوح بين 60% و85% من مشروعات التعدين، لكنها رفعت الإتاوات المفروضة على الشركات الأجنبية، وفرضت عليها التزامات مثل توظيف العمالة المحلية، وتدريب الكوادر، والمساهمة في البرامج الاجتماعية وتطوير البنية التحتية.
مواجهة مع شركات التعدين العالمية
اندلع نزاع كبير عندما رفضت شركة Barrick Gold الكندية تطبيق قانون التعدين الجديد. وردت الحكومة بإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس التنفيذي للشركة، كما صادرت مخزون الذهب الخاص بها من مجمع مناجم لولو-جونكوتو، وهو أكبر مجمع تعدين ذهب في مالي.
وقامت الشركة بوقف الإنتاج، فوضعت الدولة المنجم تحت الإدارة المؤقتة.
وانتهى النزاع في النهاية بعد أن سحبت الشركة قضية التحكيم الدولي التي رفعتها ضد مالي، ودفعت 253 مليون دولار للدولة، مقابل إسقاط التهم وإعادة مخزون الذهب والسيطرة التشغيلية للشركة في ديسمبر 2025، ليُستأنف الإنتاج مرة أخرى.
وأظهر هذا النزاع تغير ميزان القوى في مالي، حيث أصبحت الدولة أكثر استعدادًا لمواجهة شركات التعدين العالمية وفرض سيادتها على الموارد الطبيعية.
توجيه عائدات التعدين للمجتمعات المحلية
وساعدت هذه السياسات، إلى جانب ارتفاع أسعار الذهب العالمية – الذي يمثل نحو 80% من عائدات صادرات مالي – في زيادة إيرادات الدولة بشكل كبير.
ولتوجيه هذه الإيرادات إلى برامج التنمية، أنشأت الحكومة صندوق تنمية التعدين المحلي، والذي تم من خلاله توزيع 33 مليون دولار في 12 مارس.
وبحسب تقارير، سيتم تخصيص 25–30% من الأموال لبناء العيادات والتدريب الطبي، و20–25% للمدارس، و30–35% للطرق والمياه والكهرباء، و15–20% لدعم المشروعات الصغيرة والزراعة.
وإذا استمرت أسعار الذهب مرتفعة، فمن المتوقع أن ترتفع إيرادات الدولة بشكل أكبر، خاصة مع إنشاء أول مصفاة ذهب مملوكة للدولة في غرب إفريقيا بالقرب من العاصمة باماكو، بالتعاون مع مجموعة روسية.
التوسع في إنتاج الليثيوم
وإلى جانب الذهب، تتجه مالي أيضًا إلى إنتاج الليثيوم للاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على المعادن الاستراتيجية. وقد افتتحت الحكومة منجمي جولامينا وبوجوني لليثيوم في منطقة سيكاسو، مع امتلاك حصة 35% في كل مشروع بالشراكة مع شركات صينية وبريطانية.
وقد يضع هذا التوسع مالي على طريق أن تصبح أكبر منتج لليثيوم في إفريقيا، مما يتيح للحكومة تحقيق إيرادات أكبر لصندوق تنمية التعدين المحلي وتعزيز قطاع التعدين في البلاد.



















































































