شهدت أسواق الذهب والفضة تراجعات حادة خلال تعاملات نهاية الأسبوع، في حركة مفاجئة خالفت التوقعات السائدة بارتفاع المعادن النفيسة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية واستمرار مشتريات البنوك المركزية. إذ سجلت الأسعار خسائر تجاوزت 10% في بعض الجلسات، في واحد من أعنف الانخفاضات قصيرة الأجل خلال الفترة الأخيرة.
ورغم أن المنطق الاستثماري يفترض صعود الذهب في أوقات التوتر وعدم اليقين، فإن ما حدث لم يكن مرتبطًا بتدهور في أساسيات المعدن الأصفر، بقدر ما كان انعكاسًا لأزمة سيولة حادة داخل الأسواق المالية العالمية.
من الأسهم إلى المعادن: كيف بدأت الأزمة؟
بحسب متابعين للسوق، لم تبدأ موجة البيع من سوق الذهب، بل من أسهم شركات التكنولوجيا، حيث تعرضت مؤشرات الأسهم التكنولوجية لضغوط قوية، على رأسها سهم مايكروسوفت الذي هبط بأكثر من 11% في جلسة واحدة، ما أدى إلى تراجع حاد في مؤشر “ناسداك”.
هذا الهبوط السريع كبّد المستثمرين الكبار والصناديق خسائر ضخمة خلال ساعات، الأمر الذي دفع الوسطاء الماليين إلى تفعيل ما يُعرف بـ “نداءات الهامش” (Margin Calls)، وهي مطالبات فورية بتوفير سيولة نقدية لتغطية الخسائر والحفاظ على المراكز المفتوحة.
الذهب كـ “صراف آلي” لوول ستريت
في ظل انهيار الأسهم، لم يكن أمام المستثمرين خيار سوى بيع الأصول الأكثر سيولة وربحية في محافظهم، وعلى رأسها الذهب والفضة، لتوفير النقد المطلوب بشكل عاجل. وبهذا تحوّل الذهب، مؤقتًا، إلى ما يشبه “الصراف الآلي” لوول ستريت، يُباع ليس لضعف فيه، بل لتغطية خسائر أسواق أخرى.
تغيير قواعد اللعبة في سوق الذهب الورقي
لكن الضغوط لم تتوقف عند هذا الحد. فقد تزامن الهبوط مع تغييرات تنظيمية في سوق المعادن الورقية، استهدفت تقليص الرافعة المالية المستخدمة في المضاربات. وأعلنت بورصة شيكاغو التجارية (CME) رفع متطلبات الضمانات، كما كشفت إحدى كبرى شركات الوساطة العالمية عن خفض الرافعة المالية على تداول الفضة من 20 ضعفًا إلى 5 أضعاف.
هذا القرار أجبر المتعاملين على توفير سيولة إضافية تعادل عدة أضعاف الضمانات السابقة للإبقاء على مراكزهم مفتوحة، وهو ما لم يكن متاحًا لمعظمهم، فاضطروا إلى البيع الإجباري والخروج من السوق في توقيت واحد.
تسييل ملياري وعقود تُغلق قسرًا
البيانات الأولية تشير إلى انخفاض حاد في “الفائدة المفتوحة” (Open Interest) في أسواق الذهب والفضة، ما يعكس خروج سيولة تُقدّر بنحو 3 إلى 4 مليارات دولار خلال 24 ساعة فقط، نتيجة إغلاق عقود ورقية لتلبية نداءات الهامش. ويؤكد ذلك أن ما جرى هو تسييل قسري لعقود مالية، وليس تخارجًا استثماريًا من الذهب الفعلي.
توقعات المرحلة المقبلة
ويرى محللون أن الأسواق قد تشهد حالة من التذبذب خلال الأيام المقبلة، إلى أن يستوعب المتعاملون القواعد الجديدة وانخفاض مستويات الرافعة المالية. كما ساهم الارتفاع المؤقت للدولار، عقب تطورات داخل الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، في زيادة الضغوط على أسعار السلع، وعلى رأسها الذهب، رغم أن أساسيات الدولار لا تزال موضع جدل.
في المقابل، تبقى العوامل الداعمة للذهب قائمة، مع استمرار مشتريات البنوك المركزية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وحالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي عالميًا، ما يعزز منطق التحوط بالملاذات الآمنة.
ما تشهده الأسواق حاليًا يُنظر إليه كعملية “تنظيف” لسوق المعادن من المضاربات عالية المخاطر الممولة بالديون، تمهيدًا لعودة التداول إلى الأساسيات. فالتراجع الأخير لا يعكس فقدان الذهب لقيمته، بقدر ما يكشف هشاشة المراكز الممولة بالرافعة المالية، في لحظة ضغط سيولة غير مسبوقة.


















































































