لم يكن المسار القياسي الذي حققه الذهب خلال عام 2025 حدثًا مضاربيًا عابرًا. فبحسب مجلس الذهب العالمي، كان ذلك العام بمثابة مرحلة «ترسيخ مبررات الاستثمار في الذهب» لدى البنوك المركزية والمستثمرين والمستهلكين على حد سواء، في تحول هيكلي لا تزال تداعياته تتردد في الأسواق مع بداية عام 2026.
ونشر مجلس الذهب العالمي، يوم الخميس، تقرير اتجاهات الطلب على الذهب للربع الرابع والحصيلة السنوية، والذي أظهر أن الطلب العالمي على الذهب المادي تجاوز حاجز 5 آلاف طن للمرة الأولى في التاريخ خلال العام الماضي، بينما سجل المعدن الأصفر 53 قمة سعرية جديدة على الإطلاق، وأسهم الطلب القوي في رفع متوسط السعر السنوي إلى 3431 دولارًا للأونصة، بزيادة سنوية بلغت 44%.
وقال جوزيف كافاتوني، كبير استراتيجيي الأسواق في مجلس الذهب العالمي، في مقابلة «إذا لم تكن تفهم الذهب من قبل، فإن عام 2025 قد شرحه لك بالكامل».
وأوضح كافاتوني أن التركيز على السعر وحده يُغفل التحول الأهم الجاري حاليًا، مشيرًا إلى أن التغير الأكثر جوهرية بين المستثمرين المؤسسيين لا يتمثل في الخوف من فوات الفرصة، بل في إعادة تقييم دور الذهب داخل المحافظ الاستثمارية.
وأضاف:«لسنوات كان السؤال: هل فاتني الدخول في الصفقة؟ هذا لم يعد السؤال الصحيح… السؤال الصحيح الآن هو: ما الدور الذي يلعبه الذهب في محفظتي؟».
طفرة استثمارية وتحول في السلوك المؤسسي وتجسد هذا التحول بوضوح في البيانات، حيث قفز الطلب الاستثماري على الذهب بنسبة 84% خلال 2025 ليصل إلى مستوى قياسي عند 2175 طنًا، مدفوعًا أساسًا بتدفقات قوية إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب بلغت 801 طن، وهو ثاني أعلى مستوى على الإطلاق، إلى جانب تسجيل الطلب على السبائك والعملات الذهبية أعلى مستوياته في 12 عامًا.
وعلى عكس متداولي الزخم السعري، يتخذ المستثمرون في صناديق المؤشرات قراراتهم على أساس استراتيجي طويل الأجل، مع التركيز على التنويع والارتباطات واستدامة المحافظ.
وقال كافاتوني: «مزوّدو صناديق ETF لا يشترون الارتدادات السعرية، بل يسألون: هل يعمل هذا الأصل داخل المحفظة؟ هل يقترب من قيمته العادلة؟ وهل يجب أن نكون في وضع زيادة أم خفض وزن الآن؟».
ويفسر هذا النهج استمرار التدفقات القوية حتى بعد الارتفاع الحاد الذي شهده الذهب مطلع 2026. كما أشار كافاتوني إلى تغير طبيعة تدفقات الاستثمار المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، لافتًا إلى أن الذهب ما زال عند مستويات قياسية رغم تراجع حدة تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضم غرينلاند.
وقال: «التهديدات المتعلقة بغرينلاند جاءت وذهبت، وماذا خسرنا؟ لا شيء».
تباين شرق–غرب في الطلب
وسلط التقرير الضوء على تباين واضح بين الشرق والغرب، حيث اندفع المستثمرون الغربيون بقوة نحو الصناديق المدعومة بالذهب، في حين ركز المستثمرون الآسيويون، بقيادة المستهلكين في الصين، على شراء الذهب المادي.
وأشار التقرير إلى أن الاستثمار السنوي في السبائك والعملات الذهبية في الصين تجاوز الرقم القياسي المسجل عام 2013، وللمرة الأولى فاق استهلاك المشغولات الذهبية.
البنوك المركزية تتباطأ… دون التخلي عن الذهب
وعلى الرغم من تراجع مشتريات البنوك المركزية مقارنة بالوتيرة الاستثنائية خلال السنوات الثلاث الماضية، فإن الطلب ظل مرتفعًا تاريخيًا عند 863 طنًا في 2025، وهو مستوى يفوق المتوسط طويل الأجل بشكل واضح.
ووصف كافاتوني هذا التباطؤ بأنه تطور طبيعي في ظل ارتفاع الأسعار واتساع قاعدة المشاركين، وليس تراجعًا في القناعة.
وقال:«كنا نتوقع تباطؤًا، لكن ما فاجأنا هو أنه لم يتباطأ أكثر من ذلك».
وأكد أن البنوك المركزية تفكر من منظور القيمة الدولارية لا الكميات، فمع الارتفاع الحاد للأسعار، باتت العديد من المؤسسات تحقق مستهدفات التخصيص عبر ارتفاع القيمة وحده، ما يقلل الحاجة إلى زيادة الأحجام مع الحفاظ على التوجه الاستراتيجي طويل الأجل.
وشدد كافاتوني على أن العوامل الهيكلية الدافعة لطلب القطاع الرسمي، مثل استدامة الديون السيادية، وتفتت النظام الجيوسياسي، وتراجع الثقة في أصول الاحتياطي التقليدية، لا تزال قائمة بقوة.
تراجع المشغولات… وقوة الاستثمار
وأشار التقرير إلى أن أحد أوضح مؤشرات تطور قاعدة الطلب على الذهب جاء من سوق المشغولات، حيث تراجعت الأحجام عالميًا بنسبة 18% خلال 2025 بفعل ارتفاع الأسعار، إلا أن الإنفاق سجل مستوى قياسيًا بلغ 172 مليار دولار، ما يعكس استمرار ثقة المستهلكين.
والأهم، بحسب كافاتوني، أن المستهلكين في أسواق رئيسية مثل الصين والهند باتوا يتحولون بشكل متزايد من المشغولات إلى أدوات الاستثمار الخالص، مثل السبائك والعملات وصناديق المؤشرات، وهو ما يعزز الدور النقدي للذهب كأداة لحفظ الثروة.
وقال:«الأموال لا تزال تُنفق، وهذا بحد ذاته رسالة مهمة عن الثقة في الذهب».
2025… عام تغيير قواعد اللعبة
ويرى كافاتوني أن عام 2025 شكّل نقطة تحول كسرت النماذج التقليدية لتقييم الذهب، والتي كانت تعتمد بشكل أساسي على العوائد الحقيقية أو الارتباطات قصيرة الأجل.
وأضاف:«لم نعد نتحدث عن نموذج قديم. الأمر لم يعد مرتبطًا فقط بالدولار أو سندات الخزانة أو أدوات التحوط التقليدية. نحن في عالم مختلف يتطلب إعادة التفكير في هذه الأطر».
وفي عالم يتسم بمخاطر جيوسياسية مستمرة، وديون مرتفعة هيكليًا، وسندات لم تعد توفر التنويع المأمول، بات الذهب يُنظر إليه بشكل متزايد كأداة لتثبيت المحافظ وليس مجرد صفقة تكتيكية.
ومع تجاوز أسعار الذهب مستوى 5500 دولار للأونصة، يتوقع مجلس الذهب العالمي استمرار الاتجاه الصاعد خلال ما تبقى من عام 2026.
وجاء في التقرير:«ستظل الجغرافيا السياسية عاملًا رئيسيًا في توجيه الاستثمارات خلال 2026، مع رفع علاوات المخاطر على نطاق واسع. وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، لا توجد أسباب حقيقية لتوقع تراجع ذلك، ما يعزز جاذبية الذهب كتحوط شامل مقارنة بالدخل الثابت، وربما لما هو أبعد من 2026».


















































































