تشهد أسعار الذهب موجة صعود حادة وغير مسبوقة، دفعت العديد من المراقبين للتساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع المتسارع. وفي هذا السياق، قدّم عدد من الخبراء تفسيرات عميقة تشير إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه حركة سعرية أو مضاربة قصيرة الأجل، ليعكس تحولًا هيكليًا في نظرة الأسواق إلى المخاطر العالمية.
وقال الدكتور مخلص نزار، النائب الأول لحاكم مصرف سوريا المركزي، إن هناك ثلاثة أسباب جوهرية فقط يمكن من خلالها تفسير الارتفاع الحاد في أسعار الذهب خلال المرحلة الحالية.
وأوضح أن السبب الأول يتمثل في توقع أزمة ديون كبرى، مشيرًا إلى أنه عندما تبدأ الأسواق في تسعير احتمالات حدوث أزمة ديون سيادية أو عالمية واسعة، يعود الذهب إلى موقعه الطبيعي كأصل نقدي تاريخي يمكن من خلاله تسوية الديون. وأضاف أن فقدان الثقة في العملات الورقية والديون يدفع المستثمرين إلى الذهب باعتباره الملاذ النقدي الأخير.
أما السبب الثاني، فيتعلق بـ توقع سلسلة من الأزمات الأصغر ولكن المتراكمة، والتي قد لا تتجسد في أزمة واحدة شاملة، بل في مجموعة من الصدمات المتزامنة، مثل أزمات ديون في القطاع الخاص، أو تعثر بنوك ومؤسسات مالية كبرى، أو دخول عدد من الاقتصادات في حالات ركود عميق. وفي مثل هذه البيئات، يتجه المستثمرون إلى الذهب بوصفه مخزنًا للقيمة ووسيلة تحوط في مواجهة حالة عدم اليقين المالي.
وأشار نزار إلى أن السبب الثالث يتمثل في توقع تحولات جيوسياسية كبرى أو اندلاع صراعات، موضحًا أن تصاعد احتمالات الحرب أو تغير موازين القوى العالمية يقلل من جاذبية الأصول المرتبطة بدول أو أنظمة بعينها، ويعزز الطلب على الأصول المحايدة، وفي مقدمتها الذهب، كوسيلة للتحوط من المخاطر السياسية.
وأكد أن ما يميز المرحلة الراهنة هو تزامن العوامل الثلاثة في وقت واحد، وهو أمر نادر الحدوث تاريخيًا، حيث تتقاطع مخاطر الديون، والهشاشة المالية العالمية، والتوترات الجيوسياسية، وهو ما يفسر الاندفاع القوي نحو الذهب ليس كمضاربة قصيرة الأجل، بل كإعادة تموضع استراتيجي من جانب الأسواق العالمية.
من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي طارق طربيا إلى مجموعة من العوامل المكملة التي تدعم الاتجاه الصاعد للذهب، في مقدمتها تحول سياسات البنوك المركزية، حيث تسعى العديد منها إلى زيادة احتياطياتها من الذهب بهدف تنويع الأصول بعيدًا عن الدولار والأدوات المالية الغربية، خاصة في ظل استخدام العملات كأدوات ضغط جيوسياسي.
وأضاف أن تراجع ثقة المستثمرين في الأدوات الاستثمارية التقليدية، في ظل العوائد الحقيقية السلبية على السندات وتقلبات أسواق الأسهم، جعل الذهب خيارًا جذابًا حتى في غياب أزمة فورية واضحة. كما أشار إلى أن استمرار الضغوط التضخمية يعزز من دور الذهب كأداة تحوط تاريخية ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية.
واختتم طارق تحليله بالتأكيد على أن صعود الذهب لا يعني أنه أصبح أكثر قيمة في حد ذاته، بل يعكس إعادة تسعير شاملة لمخاطر وتآكل قيمة البدائل من عملات وديون، في إطار نظام مالي عالمي يبدو أنه يقف عند مفترق طرق تاريخي.
وبحسب الخبراء، فإن الارتفاع الحاد في أسعار الذهب هو نتيجة “استيقاظ مفاجئ” لعدد كبير من اللاعبين في الأسواق العالمية في التوقيت ذاته على هذه الحقيقة، ما يفسر قوة وسرعة الصعود الحالي للمعدن النفيس.


















































































