في وقتٍ يصارع فيه الاقتصاد العالمي لاستعادة توازنه، وجد المستثمرون الصينيون أنفسهم أمام معضلة كبرى: لديهم الكثير من المال، وقليل جداً من الأماكن الآمنة لوضعه. هذا “الفائض النقدي” لم يبقَ طويلاً داخل خزائن البنوك، بل انفجر في وجه أسواق المعادن العالمية، محولاً النحاس والذهب والفضة إلى ساحات مضاربة محمومة رفعت الأسعار إلى قمم تاريخية غير مسبوقة.
هروب من “الاقتصاد الحقيقي”
تبدو الصورة في الداخل الصيني متناقضة تماماً؛ فبينما يضخ بنك الشعب الصيني السيولة لدفع عجلة النمو، ترفض هذه الأموال الانصياع للخطط الرسمية.
وبدلاً من أن تتدفق السيولة نحو المصانع أو متاجر التجزئة أو مشاريع البنية التحتية، سلكت طريقاً مختصراً نحو الأسواق المالية.
يقول دنكان ريجلي، كبير اقتصاديي الصين في “بانثيون ماكروإيكونوميكس”: “إننا نشهد قفزات حادة في تداولات النيكل والقصدير وأسلاك الصلب، وهذا ليس انعكاساً لنهضة صناعية، بل نتيجة مباشرة لندرة الخيارات الاستثمارية الجذابة في أماكن أخرى”.
فالواقع يشير إلى أن “السيولة السهلة” ضلت طريقها؛ حيث سجل الاستثمار في الأصول الثابتة أول انكماش سنوي له على الإطلاق، بينما شددت الأسر أحزمتها وباتت البنوك تقدم أقل حجم من القروض منذ سنوات.
المعادن.. الملاذ الأخير بعد سقوط العقارات
لسنوات طويلة، كان العقار هو “الابن المدلل” للمدخر الصيني، لكن هذا العصر ولى مع أزمة القطاع المستمرة.
ومع بقاء أسواق الأسهم تحت الضغط وعوائد السندات في مستويات متدنية، لم يجد المستثمرون أمامهم سوى “المعدن”.
هذا العام، تحررت كتلة نقدية ضخمة تقدر بنحو 7 تريليونات دولار من الودائع البنكية التي حان موعد استحقاقها.
هذه الأموال، التي تراكمت خلال سنوات القلق، اندفعت كالسيل نحو الذهب والفضة.
بالنسبة للصينيين، الذهب ليس مجرد أرقام في محفظة استثمارية، بل هو “أصل ثقافي” ومخزن قيمة يتوارثه الأجيال، وهو ما يفسر وصول عدد المنتجات المالية المستثمرة في الذهب إلى أكثر من 300 منتج بنهاية عام 2025.
فجوة بين “شاشات التداول” و”أرض المصنع”
المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا الصعود الجنوني للأسعار يحدث بينما تعاني المصانع الصينية من “تخمة الإنتاج” وضعف الطلب.
فالمصانع التي تحول المعادن إلى سيارات وهواتف، بدأت بالفعل في تقليص مشترياتها لعجزها عن تحمل التكاليف المرتفعة، مما خلق فجوة واسعة بين “سعر التداول” و”الطلب الحقيقي”.
ومع ذلك، يبدو أن المستثمرين يغمضون أعينهم عن هذا الركود، مراهنين على مبررات طويلة الأجل:
-
الذهب والفضة: للتحوط من تآكل العملات.
-
النحاس والألمنيوم: لتلبية احتياجات التحول الأخضر ونقص المعروض العالمي.
-
القصدير: كوقود لثورة الذكاء الاصطناعي.
مأزق صانع السياسة
يقف “بنك الشعب الصيني” اليوم أمام اختبار صعب؛ فالمزيد من إجراءات التحفيز قد لا تنعش الاقتصاد الحقيقي، بل قد تزيد من انتفاخ “فقاعات الأصول”.
وبينما ينتظر العالم هدوء هذه العاصفة، تظل أسعار المعادن معلقة بين أيدي المضاربين الصينيين الذين قرروا أن المعدن هو “الرهان الرابح” في زمن اللايقين.
















































































