في عام 2025 سجل الذهب أقوى أداء سنوي له منذ عام 1979، في واحدة من أهم موجات الصعود في تاريخه الحديث، مدفوعًا بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتزايد التوترات التجارية العالمية، وارتفاع الطلب على تنويع المحافظ الاستثمارية، وهو ما أدى إلى استمرار عمليات الشراء من قبل البنوك المركزية والمستثمرين حول العالم، وفقًا لتقرير مجلس الذهب العالمي.
هذا الزخم لم يتوقف مع بداية عام 2026، بل استمر الذهب في الحفاظ على قوته، مدعومًا بتجدد التوترات الجيوسياسية، وعدم اليقين في التجارة العالمية، وتقلبات السياسات النقدية العالمية، إلا أن ارتفاع تقلبات الأسعار مؤخرًا أثار تساؤلًا مهمًا في الأوساط الاستثمارية: هل لا يزال الذهب أصلًا استراتيجيًا وملاذًا آمنًا كما كان في السابق؟
للإجابة عن هذا السؤال، تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن البيئة الاقتصادية العالمية، وخاصة في اليابان، تغيرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. فاليابان، التي عانت لعقود من الانكماش وضعف التضخم، بدأت تدخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع الضغوط التضخمية، نتيجة السياسات المالية التوسعية، ونقص العمالة، وارتفاع الأجور، واتساع فجوة الإنتاج، وهي العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع على المدى الطويل.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يواصل بنك اليابان رفع أسعار الفائدة تدريجيًا في إطار تطبيع السياسة النقدية، خاصة مع ضعف الين وارتفاع التضخم، وهو ما يعني أن الاقتصاد الياباني يدخل مرحلة مختلفة تمامًا عن العقود السابقة التي اتسمت بالفائدة المنخفضة والانكماش.
هذه المتغيرات الاقتصادية لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل تؤثر أيضًا على طريقة بناء المحافظ الاستثمارية. فالمستثمرون كانوا يعتمدون تقليديًا على توزيع الاستثمارات بين الأسهم والسندات، لكن مع ارتفاع التضخم وزيادة الترابط بين الأسهم والسندات، أصبحت هذه المحافظ أقل قدرة على تقليل المخاطر كما كان يحدث في الماضي.
ويضاف إلى ذلك تصاعد المخاطر الجيوسياسية عالميًا، وعودة التوترات التجارية، واتجاه الاقتصاد العالمي نحو تقليل العولمة، وهي عوامل ترفع التكاليف وتزيد من عدم اليقين في الأسواق المالية.
في هذا السياق، يعود الذهب ليلعب دورًا محوريًا داخل المحافظ الاستثمارية، ليس فقط كملاذ آمن في أوقات الأزمات، بل كأصل استراتيجي طويل الأجل. فالذهب تاريخيًا لم يكن مجرد أداة للحماية في الأزمات، بل حقق عوائد إيجابية طويلة الأجل وتفوق على العديد من فئات الأصول الرئيسية عبر فترات زمنية مختلفة.
ويرجع ذلك إلى أن الطلب على الذهب لا يعتمد على مصدر واحد، بل يأتي من الاستثمار والبنوك المركزية والمجوهرات والصناعة والتكنولوجيا، وهو ما يمنحه توازنًا فريدًا وقدرة على تحقيق أداء جيد في مختلف الظروف الاقتصادية.
ومن أهم مزايا الذهب أيضًا أنه يتمتع بعلاقة ارتباط منخفضة مع الأسهم، فعندما تنخفض أسواق الأسهم يميل الذهب إلى التحرك بشكل مختلف، مما يساعد على تقليل خسائر المحافظ الاستثمارية، بينما عندما ترتفع الأسهم قد يستفيد الذهب أيضًا من ضعف العملة أو زيادة السيولة، وهو ما يجعله أداة فعالة لتنويع الاستثمارات وليس مجرد أصل دفاعي.
كما أن الذهب يُعد أحد أهم أدوات التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية، حيث تشير البيانات التاريخية إلى أن أسعار الذهب تميل إلى الارتفاع عند تصاعد التوترات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية، لأن المستثمرين يتجهون إليه باعتباره أصلًا عالميًا لا يرتبط بحكومة أو عملة أو نظام مالي معين، ويتمتع بسيولة عالية ولا يحمل مخاطر الطرف المقابل مثل السندات أو العملات.
إلى جانب ذلك، أثبت الذهب تاريخيًا قدرته على التحوط ضد التضخم، حيث تشير البيانات إلى أنه خلال فترات ارتفاع التضخم يحقق الذهب عوائد حقيقية إيجابية، أي أنه لا يحافظ على القيمة فقط بل يساهم في زيادة الثروة على المدى الطويل.
والأمر اللافت أن الذهب لا يحقق أداءً جيدًا فقط في التضخم، بل يمكن أن يحقق أداءً جيدًا أيضًا في فترات الانكماش الاقتصادي، وهي ميزة نادرة لا تتوافر في معظم الأصول الأخرى.
وعند دراسة تأثير إضافة الذهب إلى المحافظ الاستثمارية، أظهرت النماذج الاستثمارية أن إضافة نسبة صغيرة من الذهب، مثل 5% فقط من إجمالي المحفظة، يمكن أن تؤدي إلى زيادة العائد السنوي، وتقليل المخاطر، وتحسين العائد المعدل بالمخاطر، وتقليل الخسائر في فترات الهبوط، وهو ما يعني أن الذهب لا يعمل فقط كوسيلة حماية، بل كأداة لتحسين الأداء الاستثماري للمحفظة ككل.
في النهاية، تشير التحليلات الاقتصادية والبيانات التاريخية إلى أن العالم يدخل مرحلة اقتصادية تتسم بارتفاع التضخم، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة الترابط بين الأسهم والسندات، وهي بيئة تختلف عن العقود الماضية، وتفرض على المستثمرين إعادة التفكير في تكوين محافظهم الاستثمارية.
وفي ظل هذه المتغيرات، ورغم ارتفاع تقلبات الأسعار على المدى القصير، لا يزال الذهب يحتفظ بدوره كأصل استراتيجي مهم، قادر على تحقيق عوائد طويلة الأجل، وتقليل المخاطر، والتحوط ضد التضخم والأزمات، وهو ما يفسر استمرار الطلب عليه من البنوك المركزية والمستثمرين حول العالم، ويؤكد أن الذهب لم يفقد مكانته كأحد أهم الأصول الاستراتيجية في النظام المالي العالمي.

















































































