في ظل التطورات الاقتصادية المتسارعة وتنوع آليات البيع والشراء، تبرز أهمية فهم أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمعاملات المالية، لضمان العدل وتجنب المحظورات الشرعية، لا سيما الربا.
وقد تناول خبراء الفتوى في دار الإفتاء المصرية، وكشف الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى، تفاصيل دقيقة حول هذه الأحكام، مع التركيز على قضايا معاصرة مثل تأخير تسليم الذهب والفضة، والتعامل بالتمويل الاستهلاكي وبطاقات الائتمان.
الإطار الشرعي للمعاملات المالية
أكد الدكتور هشام ربيع أن الشريعة الإسلامية تولي اهتمامًا بالغًا لأحكام المعاملات، معتبرة إياها ركنًا أساسيًا من أركان الدين، لا يقل أهمية عن العبادات كالصلاة والصوم والزكاة.
ويشير إلى أن البعض قد يختزل الدين في العبادات، متجاهلين الجانب المعاملاتي الذي قد يوقع المرء في ممارسات خاطئة نتيجة الجهل أو عدم العلم الكافي. لذا، فإن فهم الحلال والحرام في المعاملات ضروري لضمان صحة التصرفات المالية وتجنب الوقوع في المحظورات الشرعية.
ويستشهد الدكتور ربيع بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس”، مؤكدًا على وجود مناطق واضحة في الأحكام، وأخرى قد يكتنفها الغموض وتحتاج إلى استيضاح من أهل العلم. ويشدد على أن الرجوع إلى أهل الذكر عند الشبهات أمر واجب، مستشهدًا بقوله تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” (النحل: 43).
حكم تأخير تسليم الذهب والفضة
تُثار تساؤلات عديدة حول حكم تأخير تسليم الذهب والفضة بعد دفع الثمن، خاصة في ظل الظروف الحالية التي قد تؤدي إلى تأخر الاستلام لأيام أو أسابيع، لتوضيح هذه المسألة، يمكن النظر إلى حالتين رئيسيتين:
1. تأخير تسليم السبائك الذهبية
في حالة شراء السبائك الذهبية، حيث يدفع المشتري الثمن كاملاً ويستلم إيصالاً، ثم يتأخر استلام السبيكة لأسباب تتعلق بضغط العمل أو غيره، فإن هذه المعاملة تُعد حلالاً ولا شبهة فيها ولا ربا إطلاقًا.
يعود السبب في ذلك إلى أن السبيكة الذهبية سلعة ولا تُعامل معاملة النقود، وبالتالي فإن تأخير تسليمها بعد قبض الثمن لا يدخل في باب الربا، طالما أن الثمن قد قُبض كاملاً.
2. تأخير تسليم المشغولات الذهبية (الحلي)
بالنسبة للمشغولات الذهبية، مثل الأساور أو القلائد، التي تُشترى ويدفع ثمنها كاملاً، ثم يتأخر تسليمها لعدة أيام أو أسابيع، فإن هذه المعاملة أيضًا تُعد حلالاً ولا شبهة فيها ولا ربا إطلاقًا. السبب في ذلك يكمن في أن المشغولات الذهبية تُعامل معاملة السلع، وليست النقود. وبالتالي، فإن تأخير تسليم السلعة بعد دفع ثمنها لا يُعد ربا، بل هو بيع صحيح طالما تم الاتفاق على الثمن وتاريخ التسليم.
ويلفت أمين الفتوى إلى أن تأخير تسليم الذهب، سواء كان سبائك أو مشغولات، بعد دفع الثمن كاملاً، لا يندرج تحت حكم الربا، بل هو معاملة صحيحة شرعًا.
ويعود ذلك إلى طبيعة الذهب كسلعة سواء في حالة المشغولات، أو السبائك مع قبض كامل الثمن. ومع ذلك، يظل التأكيد على أهمية العلم بأحكام المعاملات والرجوع إلى أهل الاختصاص عند وجود أي شبهة لضمان صحة المعاملات المالية وتجنب الوقوع في المحظورات الشرعية.
تفسير حديث “لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل”
يوضح الدكتور هشام ربيع أن الحديث الشريف الذي يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل» يُفهم ببساطة شديدة أن المقصود منه هو منع الظلم أو الغبن في تبادل الذهب أو الفضة من نفس النوع. المعنى الظاهر للحديث أن التعامل يكون على أساس التساوي والتقابض الفوري.
فلو كان عندك 100 جرام ذهب، وأراد شخص أن يبادلها بذهب، فيجب أن يكون الذهب مقابل الذهب بنفس الوزن تقريبًا، دون زيادة أو نقصان لمجرد اختلاف الرغبات أو شكل المصنعية.
ويؤكد العلماء أن تبادل الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة يجب أن يتحقق فيه أمران: التماثل، أي أن يكون المقدار متساويًا، والتقابض، أي أن يتم التسليم والاستلام في نفس المجلس دون تأجيل. بمعنى أبسط، لو تم تبديل ذهب بذهب، يجب أن يكون الوزن قريبًا من الوزن، ولا يجوز تأجيل التسليم، لأن التأخير في التسليم قد يفتح بابًا للنزاع أو الغبن.
أما لو كان التبادل بين نوعين مختلفين، مثل الذهب مقابل الفضة أو أي جنس آخر، فالأمر يصبح أوسع، لكن بشرط أن يكون التبادل يدًا بيد، أي يحصل التقابض الفوري وقت البيع. المقصود من الحديث هو منع الزيادة غير المبررة في تبادل نفس المعدن، وضمان أن البيع يتم بشكل واضح وعادل دون تأخير في التسليم أو اختلاف في الكمية.
ويشير الفقهاء إلى أنهم يفرّقون بين صور التعامل بالذهب، لأن الحكم لا يُفهم من ظاهر اللفظ فقط، بل من مقصود النص وسياق العلة الشرعية. ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مسألة تبادل الذهب كان موجّهًا أساسًا إلى منع الربا حين يتحول الذهب إلى وسيلة نقدية متبادلة، أي ما يسمى عند الفقهاء بثمنية الذهب.
النصوص الواردة في هذا الباب تُفهم في ضوء ما قرره العلماء عند تفسيرها داخل إطار القرآن الكريم والسنة، حيث لم يُرد تطبيق الحكم على كل صورة مادية من الذهب، بل على ما تتحقق فيه علة الربا، وهي المساواة مع التأجيل في الأشياء الربوية المتجانسة.
لذلك، فرّق الفقهاء بين الذهب الخام الذي يُتخذ نقدًا أو وسيط تبادل، وبين الذهب المصوغ الذي أصبح سلعة صناعية لها قيمة إضافية بسبب الصياغة والعمل. في كثير من المذاهب يُعتبر استلام الفاتورة أو حجز السلعة مع التمكين من القبض لاحقًا نوعًا من القبض الحكمي، وليس شرطًا أن يكون لمس القطعة باليد في كل الحالات.
أما حديث “يدًا بيد” فهو يهدف إلى منع ربا النسيئة، أي تأخير أحد البدلين مع اتحاد الجنس في الأشياء التي كان الذهب والفضة يمثلان فيها النقد المتداول.
فإذا انتقلت المعاملة من كون الذهب نقدًا إلى كونه سلعة مشغولة تباع بقيمتها الصناعية مع دفع الثمن منفصلًا، نظر الفقهاء إلى تحقق القبض بما يحقق التمكين من الملك وليس بالضرورة القبض الحسي المباشر.
ويؤكد أن الحكم يعتمد على تحقق العلة الشرعية لا على الشكل الظاهري فقط؛ فإذا انتفى قصد الربا وتحقق التمليك مع عدم وجود تأجيل مشروط في المبادلة الربوية، اعتُبرت المعاملة جائزة عند عدد من الفقهاء، مع اختلاف المدارس الفقهية في تفاصيل التطبيق.
مفهوم الثمنية في الذهب وتحوله إلى سلعة
يشير الدكتور هشام ربيع إلى أن مفهوم الثمنية عند الفقهاء يعني أن الشيء يُتخذ وسيطًا للتبادل وقيمةً معيارية للسلع، أي يكون مقصودًا لذاته في المبادلات لا لمجرد استعماله أو صناعته. وفي الفقه الإسلامي ارتبط هذا المفهوم بما ورد في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم استنادًا إلى ما فُهم من أحاديث بيع الذهب بالذهب، والتي يُستفاد منها منع الربا حين يتحول الذهب أو الفضة إلى نقد متداول يحمل وظيفة الوسيط التجاري. وقد بيّن العلماء أن المقصود جاء من توجيه أحكام المعاملات داخل إطار تعاليم القرآن الكريم والسنة، حيث رُبط الحكم بالعلة الاقتصادية لا بالشكل المادي فقط.
ويلفت إلى أن الفرق بين الذهب الخام والمشغول ينبني على وظيفة كل منهما: الذهب الخام أو ما يُستخرج من الأرض كان تاريخيًا يمثل قيمة نقدية مباشرة، لذلك كان يدخل في باب الثمنية، أي أنه يُبادل بمثله دون تفاضل أو تأجيل. أما الذهب المشغول فقد أصبح سلعة صناعية لها قيمة مضافة بسبب العمل والصياغة، فأخذ حكم السلع في كثير من اجتهادات الفقه المعاصر، لأن القيمة لم تعد للذهب وحده بل للخام مع الجهد الصناعي.
أما في المعاملات النقدية الحديثة، فالنقود الورقية أو المعدنية تمثل ما يسمى بـالثمن الاعتباري، أي أنها تقوم مقام الذهب والفضة في الوساطة بين السلع، ولذلك اشترط بعض الفقهاء التماثل في القيمة عند مبادلتها منعًا لشبهة الربا. وبناءً على ذلك، فالمعيار ليس شكل الشيء بل علته الاقتصادية: فإذا كان المقصود هو التبادل النقدي الخالص وجب التماثل وعدم التفاضل، أما إذا انتقل الذهب إلى وصف السلعة الصناعية جاز بيعه بقيمته السوقية مع اعتبار تحقق القبض أو التمكين منه بحسب اجتهادات المذاهب الفقهية.
تحول الذهب إلى سلعة
يرى عدد من الفقهاء أن الذهب عندما يمر بمرحلة الصياغة أو التصنيع يكتسب وصفًا جديدًا في المعاملات، لأن دخوله مرحلة الصناعة يغيّر وظيفته الاقتصادية من وسيط نقدي إلى سلعة لها منفعة شكلية وجمالية. فإذا انتقل الذهب إلى مرحلة التشكيل داخل ورش الصياغة، وتحوّل من مجرد مادة خام مستخرجة من الأرض إلى قطعة مصنوعة، فإن كثيرًا من الاجتهادات المعاصرة تعتبره خارجًا عن حكم الثمنية المطلقة، لأن العلة التي بُني عليها الحكم مرتبطة بوظيفته النقدية لا بمادته فقط، وذلك استنادًا إلى فهم النصوص الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في باب تبادل الذهب.
ويوضح أن هذا الفهم جاء ضمن قراءة أوسع لأحكام المعاملات في القرآن الكريم والسنة، حيث نظر الفقهاء إلى المقصد من التحريم وهو منع الربا عند اتحاد الجنس مع بقاء وظيفة النقد، وليس مجرد وجود المعدن ذاته. لذلك، ذهب فريق من الفقهاء المعاصرين إلى أن الذهب المصوغ — مثل الحُلي أو السبائك التي دخلت مرحلة التصنيع — يُعامل معاملة السلع التجارية، فيباع ويشترى بقيمته السوقية التي تشمل قيمة المعدن مع أجرة الصياغة والعمل.
ومع ذلك، تبقى المسألة محل اختلاف بين المدارس الفقهية، فبعضهم يشدد في اعتبار القبض الفوري عند تبادل الذهب بالذهب، بينما يخفف آخرون في حالة انتقال الذهب إلى وصف الصناعة والسلعية، ما دام التعامل خاليًا من شبهة الربا وقائمًا على التراضي والتمكين من التملك.
ويؤكد أنه في التطبيق العملي يفرّق الفقهاء بين حالتين أساسيتين عند التعامل بالذهب: إذا كان الذهب ما زال في صورته الأولية قبل التصنيع — مثل الحبيبات أو الخام القادم من المناجم مثل فهنا يدخل غالبًا في باب التبادل الربوي عند اتحاد الجنس، فلا يجوز التفاضل أو التأجيل عند مبادلته بذهب آخر من نفس النوع.
أما إذا تحول الذهب إلى منتج مصنّع، مثل الغوايش أو الخواتم أو السبائك التي دخلت مرحلة الصياغة، فقد أصبح سلعة تجارية، فتُقوَّم بقيمتها السوقية التي تشمل قيمة المعدن مع تكلفة العمل الصناعي، وبالتالي يجوز التبادل مع وجود تفاوت في السعر ما دام البيع قائمًا على التراضي والتمكين من القبض.
وينطبق هذا القياس أيضًا على السلع الأخرى مثل الهواتف أو المنتجات الصناعية؛ فالتبادل بين جهازين مختلفي القيمة جائز إذا كان المقصود هو بيع سلعة بسلعة، وليس مبادلة نقد بنقد مع التفاضل أو التأجيل.
الضابط هنا أن الربا يظهر عندما يجتمع اتحاد الجنس مع قصد الثمنية النقدية والتفاضل أو التأجيل، أما إذا تحولت العين إلى سلعة صناعية مستقلة القيمة فالأصل هو إباحة البيع وفق سعر السوق مع تحقق الرضا بين الطرفين.
ويؤكد أن الصورة الشائعة التي يُقال فيها إن المشتري يجب أن يخرج من المحل بعد بيع الذهب القديم ثم يعود لشراء الجديد ليست قاعدة شرعية، بل هي فهم خاطئ.
الفقهاء ينظرون إلى المسألة من زاوية العلة لا من زاوية الشكل. فإذا كان الذهب قد انتقل إلى وصف السلعة بعد الصياغة، فالمعاملة تأخذ حكم البيع التجاري المعتاد، وليس حكم مبادلة النقد بالنقد. فالمقصود من توجيهات أحاديث تبادل الذهب، المنسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو منع التفاضل مع التأجيل في الأشياء التي لها وظيفة الثمنية.
ويوضح أن القبض المعتبر شرعًا ليس بالضرورة قبضًا حسيًا أو الخروج الفعلي من المحل، بل هو التمكين من التصرف في الثمن أو السلعة دون قيود.
فإذا باع الشخص ذهبَه القديم واستلم قيمته وتمّ التمليك، ثم اشترى ذهبًا جديدًا بسعره الحالي في نفس المجلس دون اشتراط تأجيل أو مبادلة مباشرة بين ذهب بذهب، فلا يظهر مانع عند كثير من الفقهاء المعاصرين.
ويشير إلى أنه في المعاملات المعاصرة يُقاس الذهب على غيره من السلع الصناعية التي خرجت من وصف النقد إلى وصف التجارة، فكما أن كثيرًا من الشركات تعرض نظام استبدال المنتجات القديمة بمنتجات أحدث دون اشتراط الخروج الفعلي من المتجر، يمكن فهم التعامل مع الذهب المصوغ على هذا الأساس إذا تحقق البيع الحقيقي والرضا بين الطرفين.
فالقاعدة التي استنبطها الفقهاء من توجيهات المعاملات المنسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم تهدف إلى منع صورة المبادلة الربوية حين يكون المقصود هو النقد المتبادل مع التفاضل أو التأجيل، أما إذا أصبح الذهب سلعة مصنّعة مثل بقية السلع الصناعية — كالأجهزة أو الملابس — فإن التبادل يأخذ حكم البيع التجاري.
لذلك، لا يلزم في كل الأحوال فكرة الخروج من المحل ثم العودة، ما دام قد تم بيع الذهب القديم واستلام ثمنه أو التمكين من التصرف فيه، ثم شراء الذهب الجديد بعقد مستقل وسعر سوقي متفق عليه، دون اشتراط مبادلة مباشرة بين ذهب وذهب على وجه يشتبه فيه الربا.
والعبرة ليست بالإجراءات الشكلية مثل الخروج من العتبة أو الفصل المكاني، بل بتحقق حقيقة العقد التجاري، وانتفاء التفاضل مع التأجيل في صورة تبادل نقدي بحت، مع بقاء شرط التراضي والوضوح في المعاملة.
بيع السلم والتعامل مع تقلبات الأسعار
يوضح الدكتور هشام ربيع أن الصورة التي وُصفت تُعد عند كثير من الفقهاء داخلة في ما يسمى بيع السَّلَم إذا توافرت شروطه، وبيع السلم هو التعاقد على سلعة موصوفة في الذمة مع تأجيل التسليم، مع وجوب دفع الثمن كاملًا في مجلس العقد، وهو ما استُنبط من أحكام المعاملات في تراث الفقه الإسلامي وفي السنة المنسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في باب النهي عن الغرر والجهالة في البيع.
ويلفت إلى أن الضابط في المسألة أن بيع السلم مشروع بشروطه، لكن الإشكال يظهر عندما لا تتحقق هذه الشروط. فمن أهم شروطه دفع الثمن كاملًا مقدمًا، وتحديد مواصفات السلعة تحديدًا يمنع الجهالة، وتحديد موعد التسليم، بحيث لا يكون العقد قائمًا على شيء غير معلوم أو على تسليم جزئي مع تأجيل جزئي خارج إطار العقد.
ويشير إلى أنه في تطبيق ذلك على سوق الذهب، إذا كان التعاقد على مشغولات ذهبية غير متوفرة مع دفع جزء من الثمن فقط وتأجيل الجزء الآخر مع عدم وجود تسليم فوري أو التزام واضح بالتصنيع، فإن هذه الصورة قد تقترب من بيع السلم غير المستوفي للشروط، لأن فيها جهالة في المبيع أو الثمن أو تأجيلًا غير منضبط.
أما إذا كان التعامل أقرب إلى عقد استصناع أو شراء سلعة مصنّعة بناءً على طلب العميل مع اتفاق واضح على المواصفات والسعر وموعد التسليم، فهذه الصورة أجازها كثير من الفقهاء المعاصرين لأنها تقوم على تحديد محل العقد وانتفاء الغرر.
ويلفت إلى أن الحكم يدور مع تحقق شروط العقد الصحيح: وضوح السلعة، تحديد السعر، استيفاء الثمن في السلم، وانتفاء الجهالة والتأجيل غير المنضبط، مع اعتبار اختلاف اجتهادات المذاهب الفقهية في التفاصيل التطبيقية.
ويوضح أنه في التطبيق العملي تُفرَّق المعاملة بحسب طبيعة العقد وما إذا كان أقرب إلى بيع حاضر أم إلى بيع موصوف في الذمة على طريقة السَّلَم. فإذا اشترى الشخص سبيكة ذهب كانت موجودة واستلمها فورًا، فهذا بيع عادي اكتملت فيه أركان العقد. أما إذا اشترى مشغولات غير متوفرة وقت العقد مع تأجيل التسليم، فهنا ينظر إلى شرط السلم؛ إذ يشترط عند كثير من الفقهاء دفع الثمن كاملًا في مجلس العقد وتحديد مواصفات المبيع وموعد التسليم، منعًا للجهالة والغرر، وهو ما يستند إلى مقاصد المعاملات المستخلصة من توجيهات الشريعة المنسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع ما ليس عند البائع.
الصورة التي يظهر فيها الإشكال هي دفع جزء من الثمن مع تأجيل جزء آخر مقابل سلعة غير جاهزة للتسليم، لأن هذا قد يخرج العقد من كونه بيعًا منجزًا إلى صورة بيع السلم غير المستوفي لشروطه عند بعض المذاهب.
أما الصورة التي يُدفع فيها كامل الثمن مقدّمًا مع تحديد السلعة المطلوبة ومواصفاتها وموعد تسليمها، فهي أقرب إلى عقد السلم أو الاستصناع المشروع عند عدد من الفقهاء المعاصرين، لأن المخاطر تنخفض.
ويلفت إلى أن الحكم يدور مع تحقق ثلاثة أمور: وضوح المبيع، استيفاء الثمن في السلم، واتفاق الطرفين على الزمن والمواصفات، مع اعتبار اختلاف الاجتهادات الفقهية في التفاصيل التطبيقية.
الحجز مع تقلبات الأسعار
في حالات الحجز مع تقلبات الأسعار، يجب التفريق بين العقد المنجز والعقد المعلَّق على المجهول. فالمعاملات المالية عند الفقهاء تقوم على استقرار الثمن، لأن الأصل في البيع هو وضوح محل العقد وسعره وعدم تركه للتقلبات غير المحسوبة.
أما الحجز مع دفع جزء من الثمن دون تحديد نهائي للسعر أو مع تعليق العقد على سعر السوق مستقبلاً، فهذه الصورة قد يدخلها نوع من عدم التحديد في الثمن، وهو ما يعده كثير من الفقهاء غير جائز؛ لأن احتمال الربح أو الخسارة غير المنضبط يجعل العقد قريبًا من المقامرة الاقتصادية، حيث يصبح الحظ عاملًا في تحديد من المستفيد.
وبالنسبة لمسألة إلغاء الحجز، فالأصل أن العقد الملزم لا يجوز نقضه من طرف واحد إلا برضا الطرفين أو وجود شرط سابق يسمح بالإلغاء، لأن استقرار المعاملات مقصد معتبر في الفقه المالي، فلا يجوز تحويل العقد إلى حالة تردد دائم بين البائع والمشتري.
ويؤكد أن المعاملات المالية ينبغي أن تقوم على ثلاثة أركان: تحديد السعر، وضوح السلعة، واستقرار التعاقد، مع منع الصور التي يبقى فيها الثمن أو المبيع معلقًا على تقلبات السوق دون اتفاق واضح.
الحل العملي الذي يُنصح به في مثل هذه الحالات هو تنظيم العلاقة التعاقدية منذ البداية عبر تثبيت السعر وكتابة عقد واضح يحدد الالتزامات بين الطرفين، لأن استقرار المعاملات مقصد معتبر في الفقه المالي، وهو من المعاني المستفادة من قواعد البيع في الشريعة وما ورد عن توجيهات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في النهي عن الغرر والجهالة في البيوع.
فإذا كان الحجز مع دفع كامل الثمن، فيُفضَّل توثيق العقد كتابةً مع تحديد سعر الذهب وموعد التسليم، وإضافة شرط جزائي متفق عليه مسبقًا يعوض الطرف المتضرر في حال الإخلال بالعقد، سواء كان الإخلال من البائع أو المشتري، بنسبة يتراضى عليها الطرفان مثل 10% أو 15% من قيمة العقد.
ويؤكد أن الشرط الجزائي يُعد وسيلة تنظيمية لحماية الحقوق وليس وسيلة للربح، لأن الغرض منه تعويض الضرر الناتج عن فسخ التعاقد دون مبرر، وهو ما يقبله كثير من الفقهاء المعاصرين ما دام مبنيًا على التراضي ومحدَّدًا بوضوح في العقد.
أما من جهة السوق، فالتجار غالبًا يفضلون تثبيت المعاملات لأن تقلب أسعار الذهب قد يسبب خسائر أو اضطرابًا في المخزون التجاري، لذلك فإن وجود عقد مكتوب مع التزام زمني للتسليم وشرط جزائي يعزز الثقة ويقلل النزاعات.
ويلفت إلى أن المعاملة تكون أقرب إلى السلامة الشرعية والعملية عندما يجتمع فيها: وضوح الثمن، تحديد السلعة، التوثيق الكتابي، والاتفاق على التعويض عند الإخلال بالعقد.
بيع الذهب بالتقسيط والتمويل الاستهلاكي وبطاقات الائتمان
يشير الدكتور هشام ربيع إلى أن بيع الذهب بالتقسيط يُعد جائزًا عند كثير من الفقهاء المعاصرين إذا تحققت مجموعة من الضوابط التي تمنع الجهالة والربا، لأن الذهب في هذه الحالة يُعامل باعتباره سلعة تجارية وليست نقدًا متداولًا، وهو ما يُستفاد من فهم أحكام المعاملات المنسوبة إلى توجيهات النبي محمد صلى الله عليه وسلم في باب البيوع.
وأهم شروط صحة البيع بالتقسيط في الذهب هي تحديد الثمن النهائي للسلعة تحديدًا واضحًا منذ بداية العقد، بحيث يعرف المشتري القيمة الإجمالية التي سيسددها، مع تحديد قيمة القسط ومدة السداد وعدد الأقساط بشكل دقيق، لأن الغرر في مقدار الثمن أو زمن السداد قد يجعل المعاملة غير صحيحة عند بعض الفقهاء.
كما يشترط الاتفاق على أن يكون البيع بسعر معلوم ثابت وقت العقد، حتى لا ترتبط المعاملة بتقلبات السوق مستقبلاً، لأن ترك السعر معلقًا على تغيرات الأسعار قد يدخل في باب عدم الاستقرار المالي. وفي التطبيق العملي، إذا اتفق البائع والمشتري على سعر الذهب، ومقدار القسط، ومدة السداد، وكان العقد واضحًا ومكتوبًا، فإن البيع بالتقسيط في هذه الصورة لا يظهر فيه مانع شرعي عند عدد من أهل العلم، ما دام خاليًا من شبهة الزيادة الربوية المشروطة مقابل التأجيل. ويؤكد أن بيع الذهب بالتقسيط جائز بضوابطه الثلاثة: وضوح السعر النهائي، تحديد الأقساط والزمن، وانتفاء الربط بين الدين وزيادة مشروطة مقابل التأجيل.
التمويل الاستهلاكي والوسيط المالي في الذهب
يتناول الدكتور ربيع دخول شركات التمويل الاستهلاكي كطرف ثالث بين البائع والمشتري في صفقات الذهب، بحيث تقوم شركة التمويل بسداد قيمة السلعة كاملةً للتاجر، ثم يُقَسِّط العميل المبلغ عليها وفق جدول محدد يتضمن إجمالي التكلفة وعدد الأقساط وقيمتها ومدة السداد.
هذه الصورة – من حيث الأصل – جائزة إذا كانت منضبطة بشروط واضحة، تحديد السعر الإجمالي للسلعة منذ البداية، وبيان تكلفة التمويل كاملة، وتحديد مدة السداد وعدد الأقساط وقيمتها. في هذه الحالة تكون العملية شبيهة ببيع التقسيط المنظم، لأن المقصود هو تمويل شراء سلعة حقيقية أو خدمة فعلية، لا إقراض مالٍ مقابل زيادة.
لكن الإشكال يظهر عند ما يُسمى بـ”تسييل الحد الائتماني” أو ما يُعرف اصطلاحًا بـالكاش أوت، حيث يقوم بعض الأشخاص بإجراء عملية شراء صورية غير حقيقية عبر التطبيق، ثم يحصل على مبلغ نقدي أقل من القيمة المسجلة، بينما يلتزم بسداد كامل المبلغ مع الرسوم أو الفوائد.
هنا تتحول المعاملة من تمويل شراء سلعة أو خدمة إلى تحصيل نقد مقابل التزام برد مبلغ أكبر، وهي صورة تؤول إلى الربا المحرم. إذن الفرق الجوهري هو في المقصد والحقيقة: التمويل المشروع مقصوده شراء سلعة أو خدمة فعلية، أما التسييل النقدي الصوري فحقيقته قرض بزيادة، وهذا غير جائز.
وبالتالي فالتعامل الثلاثي بين المشتري والبائع وشركة التمويل مباح إذا انضبط بضوابط البيع الواضح، أما التحايل للحصول على نقد مقابل سداد أكبر فمحرم لما فيه من شبهة الربا وتغيير حقيقة العقد.
بطاقات الائتمان
يلفت الدكتور ربيع إلى أن مسألة بطاقات الائتمان ترتبط بكيفية استخدام البطاقة، لا بمجرد وجودها، وهذا مهم خاصة مع شراء الذهب أو غيره من السلع. البنوك غالبًا تطرح نوعين أساسيين من بطاقات الائتمان:
أولًا: بطاقة بفترة سماح تتيح الشراء بحد ائتماني معين، ثم تمنح مدة سماح (55 يومًا). إذا سُدد كامل المبلغ خلال فترة السماح: لا تُفرض فوائد، وإنما قد توجد رسوم إدارية بسيطة ثابتة.
هذه الصورة جائزة، لأنها ليست قرضًا بزيادة، بل تسهيلات سداد مؤقتة بلا فائدة. أما إذا لم يُسدد كامل المبلغ بعد انتهاء فترة السماح، وبدأ احتساب فائدة على الرصيد المتبقي: هنا تدخل المعاملة في نطاق ربا القروض، لأن البنك أقرضك مالًا واشترط عليك ردَّه بزيادة مقابل الزمن. وهذا داخل في تحريم الربا الذي جاء بيانه في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: “وأحل الله البيع وحرم الربا”.
ثانيًا: بطاقة التقسيط المباشر وهي التي تتيح اختيار عدد الأشهر عند الشراء من التاجر، ويُحدد أمامك: سعر السلعة وعدد الأشهر وإجمالي المبلغ النهائي وقيمة كل قسط، وتخرج من المتجر وأنت تعلم التزاماتك كاملة. إذا كان السعر النهائي محددًا منذ البداية، دون فوائد متراكمة على رصيد متجدد، فهذه صورة بيع بالتقسيط جائزة، لأنها تمويل لشراء سلعة بعقد واضح، وليست قرضًا نقديًا بفائدة.
ويضيف أن الفرق ليس في النتيجة النهائية (أنك دفعت أكثر)، بل في طبيعة العقد: إذا كان العقد بيعًا بثمن مؤجل معلوم فهو جائز، أما إذا كان العقد قرضًا يُرد بزيادة مقابل الزمن فهو ربا محرم، ولهذا كان التفريق الذي ردّ به الله تعالى على من قالوا إن البيع مثل الربا.
بخصوص شراء الذهب بالكريديت، يوضح الدكتور ربيع أنه إذا تم الشراء وسُدد كامل المبلغ داخل فترة السماح فلا إشكال. أما إذا ترتب على التأخير فوائد ربوية فلا يجوز، لأن العلاقة أصبحت قرضًا بزيادة.
ويؤكد أن السداد الكامل داخل فترة السماح جائز، والتقسيط المنضبط بعقد واضح ومبلغ نهائي معلوم جائز، بينما تحويل الرصيد إلى دين بفائدة بعد انتهاء المهلة هو ربا محرم.
تؤكد دار الإفتاء المصرية على أهمية الوعي بالأحكام الشرعية للمعاملات المالية، وضرورة الرجوع إلى أهل العلم عند الشبهات. وتوضح أن تأخير تسليم الذهب والفضة بعد دفع الثمن لا يدخل في باب الربا إذا كانت المعاملة منضبطة بالشروط الشرعية، مع التفريق بين الذهب كسلعة وكوسيط نقدي. كما تضع ضوابط لبيع الذهب بالتقسيط والتمويل الاستهلاكي وبطاقات الائتمان، لضمان خلو المعاملات من الربا، وتحقيق العدل والوضوح في العقود المالية.

















































































