بات الجنيه في مهب الرياح، فلم يعد يستمد قوته من شيئ.
في عام 1834 أصدرت الحكومة المصرية قرارًا ينص على إصدار عملة مصرية تستند إلى نظام الذهب والفضة، وأصبح صك النقود في شكل ريالات من الذهب والفضة، وفي عام 1836 تم صك الجنيه المصري وطرحه للتداول.
في أعقاب الأزمة المالية الناتجة عن تراكم الديون الخارجية على مصر، وبالتحديد في عام 1885 صدر قانون الإصلاح النقدي، الذي بموجبه أصبح الذهب أساس النظام النقدي المصري لتكون للبلد عملة موحدة هي الجنيه الذهب، وكان وزنه 7.43 جرام.
ومع قرار الحكومة المصرية بمنح البنك الأهلي المصري امتياز إصدار الأوراق النقدية القابلة للتحويل إلى ذهب لمدة 50 عامًا، أصدر البنك الأهلي المصري الجنيه الورقي، أول مرة في 3 أبريل 1899، مع تثبيت سعر صرفه مقابل الذهب، وظل قابلًا للتغيير بالذهب عند الطلب حتى عام 1914.
ومنذ بداية إصدار عملات السلطنة المصرية عام 1916 حتى النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، كانت فئات العملات المعدنية المصرية الأقل من الجنيه تبلغ 9 فئات مختلفة تبدأ بالنصف مليم المصنوع من البرونز، حتى الريال المصنوع من الفضة.
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت قيمة الجنيه المصري تساوي نحو 3.5 دولار، وظلت قيمة الجنية شبه ثابته حتى بداية الخمسينيات من القرن العشرين، حيث تعرضت العملة المصرية لضغوط عدم الاستقرار السياسي والاقتصاد، وتراجعت قيمة العملة، كما اختفى من الأسواق فئة نصف مليم، وانخفاض وزن وعيار الفضة في فئات الشلن والبريزة والريال.
وفي عام 1967، تدهورت العملة المصرية، وودّعت مصر العملات المتداولة المصنوعة من معدن الفضة، واتجهت لسك العملات من “الكوبر نيكل”، وتوقف سك الريال، في حين سكت الفئات الأصغر من الألومنيوم.
وبعد حرب أكتوبر 1973، وتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي، تعرض الاقتصاد المصري لحالة من عدم الاستقرار وتراجعت قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، فقررت الحكومة إنشاء “السوق الموازية للصرف الأجنبي”، حتى أبريل 1981 ظللت قيمة الجنيه المصري أکبر من قيمة الدولار، حتى اقتربت قيمة العملتين من حد التعادل.
كانت لحرب أكتوبر تأثير على تراجع قيمة العملة واختفاء بعضها، حيث توقف إصدار المليم، ولكن استمر التعامل به في السنوات اللاحقة، حتى إلغائه رسميًا مع الـ 5 مليمات عام 1981 بعد تراجع القيمة الشرائية لأغلب العملات المصرية، لتصبح 10 مليمات هي أصغر فئة متداولة في مصر.
وفي يوليو 1990 تم تخفيض السعر الرسمي للجنيه ليساوي الدولار 2 جنيه، کأحد اشتراطات صندوق النقد لإتمام اتفاق إعادة الهيكلة الذي تم في عام 1991، ثم توالت قرارات البنک المرکزي بتخفيض السعر الرسمي للحنيه مقابل الدولار، إلى أن وصلت قيمة الدولار إلى 5.8 جنيه مصري في يناير 2011.
في عام 1996 صدر قرار رسمي بإلغاء فئة القرشين، وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين اختفت فئة 5 قروش و10 قروش و 25 قرشا، من الأسواق المصرية مع انعدام قيمتهم، وخروجهم من التعاملات المالية.
ومع 2016 تعرضت الاقتصاد المصري لتحولات جذرية مع توجه الحكومة تخفيض قيمة الجنيه ضمن سياسات الإصلاح الاقتصادي، انصياعًا لرغبات صندوق النقد، والقضاء على السوق السوداء للدولار، ليستقر السعر الرسمي عند متوسط 17 جنيها، ثم إلى متوسط 15.7 جنيه للدولار في مطلع 2022.
مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في مارس 2022، تفاقمت أزمات الاقتصاد المصري، وظهرت تبعات شح النقد الأجنبي في مصر، ما دفع البنك المركزي المصري لتحريك سعر صرف الجنيه هبوطًا إلى متوسط 18.5 جنيها لكل دولار، بدلا من متوسط 15.7 جنيها.
واصل الجنيه تراجعه التدريجي أمام الدولار خلال السنوات الماضية وصولا إلى متوسط سعر صرف 50 جنيهًا للدولار، إثر تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وتحرير سعر الصرف أكثر من لمواجهة نقص العملة الأجنبية من جرّاءِ خروج الأموال الساخنة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم.
أدى تراجع سعر صرف الجنيه، إلى زيادات متتالية في أسعار السلع الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما زاد من حدة شعور المواطنين لاسيما الطبقات متوسطة ومنخفضة الدخل بانخفاض القوة الشرائية للدخل.
التغيرات الاقتصادية الحادة في مصر خلال الثلاث سنوات الأخيرة، كانت كفيلة بزيادة الأعباء على المواطنين، ومن تراجع لقيمة أموالهم وارتفاعًا في أسعار السلع، ما باتًا واضحًا داخل أسواق الذهب، وهو ما ينذر باختفاء الجنيه، مع تلاشي قيمته الحقيقة، واعتماد التسعير على قيم أخرى أكبر، حيث كان الجنيه وحدة معدل التغير الطفيف في حركة أسعار الذهب، فسعر الذهب ينخفض أو يرتفع بقيمة جنيه، لكن السنوات الأخيرة، ومع تراجع قوته الشرائية، باتت وحدة التغير الطفيفة في الأسعار هي الخمسة جنيهات، فالأسعار المعتمدة داخل السوق تتحرك وفقًا لحركة الخمسة جنيهات إما بالزيادة أو النقصان.
ما يحدث داخل سوق انعكاسًا لصورة الاقتصاد وقوة العملة، وهو ما ظهر واضحًا مع تدافع المواطنين على شراء الذهب خلال السنوات الماضية، لحفظ قيمة أموالهم من جرّاءِ استمرار تراجع الجنيه أمام الدولار.
تراجع سعر العملة المحلية أمام الدولار عبر العقود المختلفة، من المليم إلى القرش ثم الجنيه، أدى لتراجع القوة الشرائية للأموال، التي أدت بلا شك لتغير في تقيم السلع المختلفة، ومن بينها الذهب والفضة.