لم تعد الفضة تُصنَّف اليوم كمعدن نقدي بالمعنى التقليدي، إلا أن التقديرات تشير إلى أنها مرشحة للعب دور محوري في تطور الاقتصاد العالمي، ما يجعلها أحد الأصول الاستراتيجية في الأسواق المالية خلال السنوات المقبلة.
وتتزايد التوقعات باندلاع صراع حاد داخل أسواق السلع بين القوى الاقتصادية الغربية والشرقية، مع بروز الفضة كأحد أدوات هذا التنافس، في مسار قد يقود إلى إعادة تسعير كبيرة للمعدن النفيس على المستوى العالمي.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تتجه فيه أسعار الفضة لإنهاء عام 2025 فوق مستوى 71 دولارًا للأوقية، محققة مكاسب تقترب من 150%، في أفضل أداء سنوي منذ عام 1979. غير أن النظرة طويلة الأجل تكشف أن الفضة لعبت تاريخيًا أدوارًا مفصلية في التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الكبرى.
فمنذ منتصف القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر، كانت الصين أكبر اقتصاد في العالم، واستوعبت ما بين 30% و50% من إجمالي إنتاج الفضة عالميًا، حيث لم تكن الفضة مجرد سلعة، بل شكّلت أساس النظام النقدي والضريبي، ومحركًا رئيسيًا للنمو التجاري غير المسبوق آنذاك.
وقد أدى الطلب الأوروبي المتزايد على السلع الصينية، مثل الشاي والحرير والخزف، إلى اختلالات تجارية حادة، مع تدفق الفضة بكثافة نحو الشرق، وهو ما أسهم لاحقًا في صراعات كبرى أعادت رسم خريطة النفوذ العالمي.
ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، فإن ملامحه تعود للظهور مجددًا، مع اتجاه الصين في الوقت الراهن إلى تعزيز سيطرتها على سلاسل توريد الفضة عبر فرض قيود على الصادرات خلال العام الجديد. وتُعد الصين ثاني أكبر منتج عالمي للفضة، إلى جانب كونها لاعبًا رئيسيًا في عمليات التكرير والتصدير، في وقت ترسخت فيه مكانتها كقوة اقتصادية وعسكرية كبرى.
وتأتي هذه التطورات في ظل معاناة سوق الفضة من اضطرابات متزايدة في سلاسل التوريد والسيولة. فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، أدى الطلب الصناعي القوي إلى عجز مزمن في المعروض، ما تسبب في استنزاف حاد للمخزونات المتاحة فوق سطح الأرض.
ويعود الطلب المتنامي على الفضة بشكل أساسي إلى التحول العالمي نحو الكهرباء والذكاء الاصطناعي. فقد بلغ الطلب الصناعي مستوى قياسيًا يناهز 680 مليون أونصة في عام 2024، فيما تظل الطاقة الشمسية المحرك الأكبر، إذ تستهلك أكثر من 200 مليون أونصة سنويًا، مع توقعات بتجاوز 450 مليون أونصة بحلول عام 2030، في ظل الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة لتغذية البنى التحتية الرقمية.
وتُعد الفضة عنصرًا لا غنى عنه في هذا التحول، نظرًا لتمتعها بأعلى موصلية كهربائية بين المعادن، وصعوبة استبدالها على المدى القصير أو المتوسط.
وفي الوقت نفسه، أدى تجدد الطلب الاستثماري، لا سيما من الأسواق الآسيوية، إلى مزيد من الضغوط على المعروض المادي، في وقت تُستبعد فيه قدرة الإنتاج على مواكبة هذا الزخم.

ويُشكّل جانب العرض أحد أبرز نقاط الضعف في سوق الفضة، إذ يأتي نحو 72% من الإنتاج العالمي كمنتج ثانوي لتعدين معادن أخرى مثل النحاس والرصاص والزنك والذهب، ما يجعل زيادة الإنتاج قرارًا غير مباشر ولا يمكن التحكم فيه بسهولة. كما أن السوق لم يشهد نموًا صافيًا ملموسًا في المعروض منذ نحو 25 عامًا، في ظل ندرة الرواسب الأولية الخالصة للفضة.
وفي ضوء هذه العوامل، يُرجح أن تستمر حالة الـBackwardation في السوق، حيث تبقى الأسعار الفورية أعلى من أسعار العقود الآجلة، مع استعداد المستثمرين والمتعاملين لدفع علاوات سعرية مقابل الحصول على المعدن فورًا.
وفي حين قد تبدو أسواق العقود الورقية أكثر هدوءًا، فإن السوق المادية الفعلية، لا سيما في لندن خارج البورصة، تشهد توترات حادة تُعد من الأعمق منذ عقود، ما يعكس قلقًا متزايدًا من نقص المعروض.
وتشير التقديرات إلى أن ما شهده السوق في أكتوبر 2025 من قفزات حادة في تكاليف الإيجار والتداول لم يكن سوى إشارة إنذار مبكرة، في حين تمثل القيود الأخيرة على الصادرات خطوة أكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل توازنات السوق.
وبناءً على ذلك، تبدو العوامل الأساسية داعمة لأسعار الفضة في عام 2026 وما بعده، في ظل تراجع المخزونات العالمية، وعدم مرونة الطلب الصناعي، وهيمنة الإنتاج الثانوي على جانب العرض، إلى جانب دخول قوى اقتصادية كبرى في مسار تخزين استراتيجي للمعدن، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التسعير الهيكلي للفضة.

















































































