يرى عدد من خبراء بنك جيه بي مورجان أن هناك أطروحات منطقية يمكن الاستناد إليها للتشكيك في استمرار صعود الذهب، غير أن هذه العوامل — بحسب تقديرهم — لا ترقى إلى مستوى تغيير الاتجاه العام الصاعد للمعدن النفيس.
كريتي جوبتا، المديرة التنفيذية في وحدة الخدمات الخاصة بالبنك، وجاستن بيمان، الاستراتيجي العالمي للاستثمار، أوضحا أن الذهب سجل أداءً استثنائيًا خلال السنوات الخمس الماضية، مرتفعًا بأكثر من 170%، مدعومًا بمرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات الجيوسياسية والانقسام الاقتصادي العالمي.
وأشارا إلى أن مخاوف تراجع قيمة العملات، وضعف النمو، واستمرار الضغوط التضخمية، إلى جانب الاختلالات المالية الحكومية، لم تنعكس بالكامل بعد في تسعير الأصول السيادية، وهو ما عزز مكانة الذهب كملاذ استثماري في أوقات عدم اليقين.
أداء الذهب في أوقات الأزمات
تاريخيًا، حقق الذهب متوسط عائد يبلغ 1.8% ووسيطًا عند 3% خلال فترات الصدمات الجيوسياسية الكبرى، متفوقًا على معظم فئات الأصول. وفي ظل استمرار البيئة الدولية المضطربة دون مؤشرات واضحة على الاستقرار، يبقى السؤال المطروح: ما الذي يمكن أن يوقف موجة الصعود الحالية؟
العامل الأول: مشتريات البنوك المركزية
يضع محللو البنك احتمال تباطؤ أو توقف مشتريات البنوك المركزية في مقدمة المخاطر المحتملة. فقد كانت هذه المؤسسات المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، حين سارعت دول عديدة إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار بعد تجميد الأصول الروسية.
وتضم قائمة كبار حائزي الذهب عالميًا — خارج صندوق النقد الدولي — كلًا من الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وروسيا، ما يثير تساؤلات حول تأثير أي تراجع في الطلب الهيكلي أو تحول محتمل إلى البيع.
ويستحضر التقرير تجربة المملكة المتحدة بين 1999 و2002 حين باعت أكثر من نصف احتياطياتها عبر مزادات علنية، إضافة إلى قرار سويسرا فك ارتباط الفرنك بالذهب، وهي خطوات أدت حينها إلى هبوط الأسعار بنحو 13% خلال ثلاثة أشهر.
إلا أن موجة البيع تلك توقفت بعد توقيع اتفاق واشنطن للذهب، الذي هدف إلى تنظيم عمليات البيع الكبيرة والحد من تقلبات السوق، قبل أن ينتهي العمل به في 2019 مع تحول البنوك المركزية مجددًا إلى مشترٍ صافٍ للمعدن.
ورغم أن احتمال التباطؤ يظل قائمًا نظريًا، فإن البنك يرى أن السيناريو غير مرجح حاليًا، خاصة أن الذهب يمثل نحو 19% فقط من احتياطيات الأسواق الناشئة مقابل نحو 47% في الاقتصادات المتقدمة، ما يترك مجالًا واسعًا لزيادة المشتريات.
الصين والأسواق الناشئة تقود الطلب
تبرز الصين كمحرك رئيسي للطلب الهيكلي، إذ تواصل رفع مخصصاتها من الذهب رغم كونها سابع أكبر مالك عالميًا، بينما لا تتجاوز حصة الذهب 8.6% من احتياطياتها وفق بيانات مجلس الذهب العالمي. ويمنح ذلك بكين مساحة كبيرة لتعزيز مشترياتها مستقبلًا، إلى جانب دول مثل بولندا والهند والبرازيل.
أما بنوك مجموعة العشرة الكبرى، فلا توجد مؤشرات على نيتها البيع، نظرًا لما يتطلبه ذلك من تغييرات تشريعية جذرية وانحراف عن سياسات نقدية مستقرة امتدت لأكثر من قرن.
كما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة يوجوف بالتعاون مع مجلس الذهب العالمي في 2025 أن 95% من البنوك المركزية تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب، بينما لم يتوقع أي مشارك انخفاضها.
العامل الثاني: سلوك المستثمرين الأفراد
العامل الآخر الذي قد يؤثر على الأسعار يتمثل في تحركات المستثمرين الأفراد، الذين لعبوا دورًا متناميًا في دعم السوق مؤخرًا. فاندفاعهم نحو الذهب كأداة تحوط قد ينحسر سريعًا إذا هدأت التوترات أو ظهرت بدائل استثمارية جذابة.
وشهدت نهاية يناير مثالًا واضحًا على هذا السلوك، إذ قفز الذهب بنحو 20% خلال أسبوع قبل أن يتراجع بالمقدار ذاته تقريبًا خلال يومين، في تحركات عزاها البعض إلى مضاربات قصيرة الأجل.
ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن حيازات الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب تبلغ نحو 100 مليون أوقية، أي ما يعادل 8% تقريبًا من احتياطيات البنوك المركزية، وهي نسبة أقل من ذروة 2020 عند 110 ملايين أوقية، ما يعني أن المستثمرين الأفراد لا يملكون بمفردهم القدرة على رسم الاتجاه طويل الأمد.
الاتجاه الصاعد لا يزال قائمًا
يرى محللو البنك أن الذهب لم يعد مجرد أداة تحوط ظرفية، بل يمثل عنصرًا استراتيجيًا في تنويع المحافظ الاستثمارية، إذ يوفر حماية من التضخم ويؤدي أداءً أفضل خلال فترات التراجع الحاد للأسواق، مع ارتباط منخفض نسبيًا ببقية الأصول.
وتتوقع أبحاث البنك أن يدفع الطلب القادم من شركات التأمين الصينية إضافة إلى شريحة من مستثمري الأصول الرقمية الأسعار إلى مستويات أعلى في 2026.
وتؤكد ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية بالبنك، أن مسار الذهب قد لا يكون خطيًا، لكنه يستند إلى عوامل هيكلية ممتدة، تشمل استمرار تنويع الاحتياطيات الرسمية، وضعف الدولار، وتراجع أسعار الفائدة، وتصاعد عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وتشير تقديرات البنك إلى أن مشتريات البنوك المركزية قد تبلغ في المتوسط نحو 585 طنًا من الذهب لكل ربع سنة خلال 2026، ما يعزز القناعة بأن الاتجاه الصاعد للمعدن النفيس لم يبلغ ذروته بعد.


















































































