تُعيد التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وضع المستثمرين في حالة ترقب قصوى، حيث عاد الذهب إلى واجهة المشهد كأداة تحوط رئيسية مع اقترابه من عطلة نهاية الأسبوع. فقد ارتفع المعدن الأصفر مجددًا بالقرب من مستوى 5400 دولار للأوقية، في إشارة واضحة إلى أن المستثمرين يفضلون دفع تكلفة “التأمين” الآن بدل المجازفة بصدمة محتملة عند افتتاح الأسواق الآجلة يوم الأحد، في حال تصاعدت التطورات في الشرق الأوسط.

أما الفضة، فتواصل التحرك بوتيرة أكثر تقلبًا ولكن في الاتجاه ذاته، مستقرة أعلى مستوى 96 دولارًا للأوقية، رغم تراجع الزخم نسبيًا. سلوكها يعكس طبيعتها المزدوجة كمعدن استثماري وصناعي في آن واحد، ما يجعل تحركاتها أكثر حدة مقارنة بالذهب، لكنها لا تزال جزءًا من موجة الملاذات الآمنة الأوسع.
المعدنان يختتمان الشهر قرب مستويات قياسية، في تحول لافت مقارنة ببداية فبراير التي شهدت تصحيحًا حادًا دفع الذهب إلى الهبوط قبل أن يعود المشترون بقوة. ارتفع الذهب بنحو 19% من قاعه قرب 4400 دولار، بينما قفزت الفضة بأكثر من 45% من مستويات 64 دولارًا للأوقية. ورغم ضغوط البيع المكثفة مطلع الشهر، بقي الاتجاه الصاعد العام سليمًا.
الدوافع لا تقتصر على المخاطر الجيوسياسية. فتصاعد مستويات الدين العالمي، واستمرار العجوزات المالية، وتجدد التوترات التجارية، كلها عوامل تعزز الجاذبية الاستراتيجية للذهب.
ويرى محللو بنك أوف أمريكا Bank of America أن الذهب، رغم التماسك دون 5200 دولار، لا يزال يمتلك مسارًا نحو 6000 دولار للأوقية.
من جانبها، وصفت MKS PAMP السوق الصاعدة الحالية بأنها في منتصف دورتها، مع إمكانية بلوغ الأسعار 6750 دولارًا بالتزامن مع احتدام الأجندة السياسية الأمريكية. بعبارة أخرى، قد يكون السوق في مرحلة التقاط أنفاس، لكن السباق لم ينتهِ بعد.
مع ذلك، فإن الزخم لا يتحرك في خط مستقيم. بعد هذه المكاسب التاريخية، يرى كثير من المحللين أن فترة من التماسك ستكون صحية لبناء قاعدة أكثر صلابة. فالأسواق التي ترتفع بسرعة قد تصحح بالوتيرة ذاتها، وحتى أكثر المتفائلين يدركون أن مراحل “الهضم” ضرورية لاستدامة الاتجاه.
الفضة، بحكم حساسيتها للطلب الصناعي، قد تظل أكثر عرضة لتقلبات حادة إذا تبدلت توقعات النمو الاقتصادي بالتوازي مع تطورات الرسوم الجمركية وعدم اليقين التجاري العالمي.
أحد أبرز التحديات المحتملة يتمثل في مسار السياسة النقدية الأمريكية. فقد أظهرت بيانات وزارة العمل أن التضخم بالجملة ارتفع بنسبة 2.9% على أساس سنوي، متجاوزًا توقعات 2.6%.
استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على موقفه الحيادي لفترة أطول مما تتوقعه الأسواق، ما قد يحد من زخم صعود الذهب إذا تأجلت رهانات خفض الفائدة.
في المحصلة، يبقى سوق المعادن النفيسة مدعومًا بحقيقة بسيطة: الضبابية مرتفعة، الديون تتفاقم، وصناع القرار يتحركون في بيئة جيوسياسية معقدة وسريعة التغير. في مثل هذا السياق، لا يتخلى المستثمرون عن الذهب والفضة، بل يستغلون أي تراجعات لتعزيز مراكزهم.
لم يعد الجدل يدور حول ما إذا كان الذهب والفضة يستحقان مكانًا في المحافظ الاستثمارية، بل حول حجم “التأمين” المطلوب في عالم يزداد تقلبًا. وحسب تحركات الأسعار الأخيرة، يبدو أن كثيرين يفضلون الاحتفاظ بجرعة إضافية من التحوط — تحسبًا لمفاجأة جديدة قبل صباح الاثنين.

















































































