يُعدّ اتفاق واشنطن للذهب أحد أهم التحولات التنظيمية التي أثرت في سوق الذهب العالمي نهاية القرن العشرين، حيث جاء ليضع إطارًا لإدارة احتياطيات المعدن النفيس لدى البنوك المركزية الأوروبية بعد سنوات من المخاوف المرتبطة بعروض البيع الضخمة.
وُقعت الاتفاقية في 26 سبتمبر 1999 خلال الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي في واشنطن، بحضور وزير الخزانة الأمريكي آنذاك لاري سمرز ورئيس الاحتياطي الفيدرالي آلان جرينسبان، في خطوة عكست اهتمام السياسة النقدية العالمية باستقرار سوق الذهب.
خلفية اقتصادية: حين هددت مبيعات الذهب استقرار السوق
جاءت الاتفاقية استجابة لقلق متزايد في أسواق السلع العالمية، بعد إعلان المملكة المتحدة نيتها بيع جزء كبير من احتياطياتها الذهبية عبر مزادات علنية.
فقد اقترحت لندن تقليص احتياطياتها بنحو 58% من خلال مبيعات نظمها بنك إنجلترا، وهو ما أثار اضطرابًا واسعًا في الأسعار نظرًا لكون الإعلان جاء مسبقًا، على عكس الممارسات التقليدية التي كانت تعتمد السرية في تنفيذ المبيعات.
في ذلك الوقت، كان المستثمرون يخشون من موجة عرض ضخمة قد تضغط على الأسعار، خاصة مع احتمال تنفيذ مبيعات مشابهة من قبل البنك الوطني السويسري أو حكومات أوروبية أخرى، بالإضافة إلى نقاشات داخل صندوق النقد الدولي حول تصريف جزء من احتياطياته الذهبية.
ووفق تقارير نشرتها لاحقًا مؤسسات مالية فإن الإعلان البريطاني كان عاملًا رئيسيًا في اضطراب السوق، لأنه كسر القاعدة غير المكتوبة التي كانت تعتمد على عدم الإعلان المسبق عن عمليات البيع الحكومية للذهب.
مضمون الاتفاقية: الحد من المعروض العالمي
نص الاتفاق على التزام البنوك المركزية الأوروبية والعديد من الدول المشاركة بالحفاظ على دور الذهب كأصل احتياطي استراتيجي، مع تقييد المبيعات السنوية بما لا يتجاوز 400 طن، وبإجمالي لا يزيد على 2000 طن خلال خمس سنوات بين 1999 و2004.
وشملت الأطراف المشاركة البنك المركزي الأوروبي وعددًا من البنوك الوطنية في منطقة اليورو، إضافة إلى سويسرا والسويد والمملكة المتحدة.
وقد ساهمت هذه القيود في تهدئة المخاوف من انهيار الأسعار، حيث اعتبرت الأسواق أن الاتفاق يمثل نوعًا من إدارة العرض العالمي للذهب.
الطبيعة القانونية للاتفاق
لم تُصنف الاتفاقية كمعاهدة دولية بالمعنى التقليدي للقانون الدولي، إذ وُصفت بأنها تفاهم بين محافظي البنوك المركزية أكثر من كونها التزامًا تشريعيًا ملزمًا.
ويرى بعض الباحثين أنها تشبه إلى حد ما الترتيبات الاحتكارية التنظيمية التي تؤثر على هيكل العرض في السوق، وهو ما دفع منتقدين إلى مقارنتها بآليات شبيهة بتنسيق الكارتلات من حيث التأثير على الإمدادات العالمية.
كما تعرضت الاتفاقية لانتقادات تتعلق بضعف الشفافية، إذ جرت مناقشاتها في إطار مغلق دون إتاحة فرص للمشاركة العامة أو التعليق من قبل المستثمرين أو الجهات الصناعية المعنية.
تمديد الاتفاق وتأثيره على السوق
تم توقيع النسخة الثانية من الاتفاقية عام 2004، ثم جرى تمديدها في 2009، قبل أن ينتهي العمل بالترتيبات التنظيمية لاحقًا مع تغير بنية الطلب العالمي على الذهب.
ومع انتهاء القيود، تحولت البنوك المركزية تدريجيًا من بائع صافٍ إلى مشترٍ رئيسي للمعدن النفيس، وهو تحول رصده محللون في تقارير صدرت عن مؤسسات بحثية ومراكز مالية دولية.
فقد أشارت بيانات سوق السلع إلى أن البنوك المركزية أصبحت منذ عام 2010 أحد أكبر محركات الطلب الهيكلي على الذهب، وهو ما أكدته تقارير دورية لمؤسسات مثل مجلس الذهب العالمي.
قراءة اقتصادية حديثة: هل انتهى تأثير الاتفاق؟
يرى محللون في أسواق السلع أن اتفاق واشنطن كان نقطة تحول تاريخية في إدارة المعروض الرسمي من الذهب، لكنه لم يعد يشكل إطارًا تنظيميًا مؤثرًا في المرحلة الحالية.
فقد شهد العقد الأخير تغيرًا في سلوك البنوك المركزية، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي بدأت تنظر إلى الذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار الأمريكي، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وتعكس تقارير نشرتها مؤسسات مالية عالمية مثل أن الطلب الرسمي على الذهب ظل قويًا رغم التقلبات السعرية الحادة.
مثّل اتفاق واشنطن للذهب محاولة دولية لإدارة سوق المعدن النفيس في نهاية القرن العشرين، حيث نجح في تهدئة المخاوف من موجات البيع الحكومية، قبل أن يتحول مشهد السوق عالميًا نحو مرحلة جديدة يقودها الطلب الاستثماري والمركزي.
واليوم، لا يزال الذهب يحتفظ بدوره كأحد أهم الأصول الدفاعية في النظام المالي العالمي، خاصة في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي.



















































































