شهدت أسواق الذهب العالمية والمحلية ارتفاعات غير مسبوقة في 2025، لتحقق أفضل أداء سنوي لها منذ 45 عامًا، حيث لامس سعر الأوقية عالميًا مستويات قياسية 4555 دولارًا، قبل أن تتراجع وتختتم العامل عند 4318 دولارًا، بينما لامس سعر جرام الذهب عيار 21 محلياً من 6100 جنيه مصري، قبل أن يتراجع ويختتم العام عند 5830 جنيهًا، مسجلاً زيادة بلغت حوالي 65% عالمياً و 56% محلياً منذ بداية العام.
هذا الصعود الحاد لم يكن مجرد تقلب عابر، بل هو نتاج متغيرات جيوسياسية واقتصادية عميقة تعيد تشكيل النظام المالي العالمي، وتكشف في الوقت ذاته عن تعقيدات هيكلية في السوق المحلي وفقًا لما أوضحه المحلل الاقتصادي الأستاذ أحمد فهيم في حوار لـ عيار 24.
التحول الجيوسياسي وتحدي هيمنة الدولار
قال أحمد فهيم المحلل الاقتصادي بأسواق الذهب، إن المتغير الأهم الذي يقف وراء هذا الارتفاع هو التحول الملحوظ في حيازة الذهب من الأفراد إلى الدول والمؤسسات.
أضاف، تقليديًا، كان الأفراد يمتلكون نحو 60% من الذهب العالمي، بينما كانت البنوك والمؤسسات لا تتعدى 30-35%.
هذا التوازن بدأ يتغير بشكل جذري منذ عام 2022، حيث تتسابق الدول، سواء كانت عظمى أو نامية، لزيادة احتياطياتها من الذهب.
وأكد أن هذا التحول ناتج عن حقيقة اقتصادية واضحة، وهي أن الذهب سلعة محدودة لا يمكن زيادتها بسهولة، وأن الطريق الوحيد أمام الدول لتعزيز احتياطياتها يتمثل في دفع الأفراد لبيع مدخراتهم، لا يوجد خيار أمام الدول سوى رفع سعر الذهب بشكل متواتر وسريع.
لفت، إلى أن هذا الضغط المتعمد على الأسعار يهدف إلى إغراء المواطنين لـ “إخراج الذهب من البيوت”، كما حدث في فترات سابقة، مما يغذي موجة بيع مكثف يقابلها شراء مؤسسي.
ويرى فهيم أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى استراتيجية “الفقاعة” لامتصاص هذا الدين، كما حدث في فقاعات سابقة (مثل البيتكوين)، حيث يتم رفع قيمة أصل غير ملموس ثم سحب السيولة منه، مما يؤدي إلى “تبخر” جزء من الدين.
في المقابل، تدرك القوى الاقتصادية المواجهة للهيمنة الدولارية، وعلى رأسها دول “بريكس” والصين، أن بناء سوق اقتصادي موازٍ يتطلب احتياطياً نقديًا ثابتًا، وهو ما يوفره الذهب.
أضاف، الصين، على سبيل المثال، لم تتوقف عن شراء الذهب لسنوات، وهي تعتمد على قوة سلعها بدلاً من عملتها (اليوان)، مما يمنحها قوة ضاربة في الاقتصاد العالمي ويسمح لها بالتعامل السلعي بدلًا من التعامل الورقي.
لفت، إلى أن هذا التوجه العام سيؤدي إلى تحويل منظومة الذهب، ومن المتوقع أن تتغير معادلة الحيازة لتصبح 60% لصالح الدول و 30% لصالح الأفراد خلال سنة أو سنتين.
السوق المصري: هيمنة “المسؤقجي” و”دولار الصاغة”
أوضح، فهيم، أن السوق المصري، يشهد تعقيدات أدت إلى ظواهر غير مألوفة، مثل وجود أسعار متعددة للذهب، وظاهرة “دولار الصاغة”.
أضاف، أن منظومة التسعير المحلية تتكون من ثلاث حلقات رئيسية، هي تاجر الذهب الخام ” المسؤقجي، وتجار الجملة، وتاجر التجزئة.
يؤكد فهيم أن المسؤقجي ( تاجر الذهب الخام) هو المسؤول عن التسعير في مصر، وليس تاجر القطاعي، أن تاجر الخام، يملك السلعة، ومن يملك السلعة يملك التسعير، ومن ثم يحدد المسؤقجي السعر بناءً على العرض والطلب، وحركة التصدير.
أشار إلى أن تاجر القطاعي هو الحلقة الأضعف في المنظومة، حيث يقع بين مطرقة تاجر الخام وسندان المستهلك، فهو مُجبر على البيع والشراء بالسعر الذي يحدده تاجر الخام، ولا يستطيع تحقيق هامش ربح واضح.
أضاف، هذا الوضع يدفعه إلى “تشغيل عقله” على الزبون، من خلال ممارسات خاطئة مثل التلاعب في الميزان، أو فرض نسب مئوية غير قانونية تحت اسم “ضريبة” أو “مصنعية”، مما يخلق حالة من العداء وانعدام الثقة بينه وبين العميل.
وفيما يتعلق بما يُعرف بـ«دولار الصاغة»، أكد فهيم أن هذه الآلية ليست استثناءً محليًا، بل نتيجة مباشرة لقوى العرض والطلب في سوق لا تمتلك فيه الدولة الذهب فعليًا ولا تديره من خلال بورصة منظمة.
وشدد على أن تسعير الذهب يخضع لحجم المعروض الحقيقي في السوق، وأن من يملك الذهب الخام هو الطرف الأكثر تأثيرًا في تحديد الأسعار، وليس تاجر التجزئة كما يعتقد البعض.
أوضح فهيم، أن ظاهرة “دولار الصاغة”، تنشأ عندما يكون سعر الذهب في مصر أقل أو أعلى من السعر العالمي، وفي حالة الانخفاض، يقوم تاجر الخام بتخفيض السعر المحلي (قد يصل إلى 70 جنيهاً تحت سعر السوق) لتشجيع الأفراد على البيع، مما يمكنه من تجميع الذهب وتصديره.
أضاف، التصدير يكلف حوالي 30 جنيهًا للجرام، مما يعني أن تاجر الخام يحقق مكاسب ضخمة (قد تصل إلى 40 مليون جنيه في الطن) من الفروقات، مستغلًا حاجة الأفراد للبيع، هذا السعر الذي يحدده تاجر الخام هو ما يُعرف بـ “دولار الصاغة”، وهو سعر يطبّق على تاجر القطاعي قبل أن يطبّق على المواطن.
ولفت، إلى أن زيادة المعروض الناتج عن بيع الأفراد تدفع الأسعار للضغط نزولًا عند الشراء، قبل إعادة تصدير الذهب للخارج، محققًا هوامش ربح كبيرة قد تصل إلى عشرات الملايين من الجنيهات في الطن الواحد بعد خصم التكاليف.
سيكولوجية المستثمر والمضاربة القاتلة
وأكد فهيم أن أحد أبرز الاختلالات في السوق المحلي يتمثل في تحول شريحة واسعة من الأفراد من الادخار إلى المضاربة دون إدراك لطبيعة السوق أو أدواته.
وأوضح أن شراء الذهب اقتصاديًا له هدفان فقط: الادخار طويل الأجل أو الاستهلاك، لافتًا إلى أن التعامل مع الذهب كأداة ربح سريع غالبًا ما يؤدي إلى خسائر، نتيجة الشراء عند القمم والبيع عند التراجعات، تحت تأثير الخوف والطمع.
وأضاف أن هذا السلوك يعكس غياب الوعي الاستثماري، ويجعل الأفراد الحلقة الأضعف في منظومة سوق الذهب.
وأكد أن الذهب هو “حصن” المدخرات على المدى الطويل، فالمواطن الذي يشتري الذهب للحفاظ على قيمة أمواله لوقت العوز، يجب ألا يكترث لتقلبات الأسعار اليومية، حتى لو انخفض سعر الذهب بشكل حاد، فإن قيمة الأصول الأخرى (مثل السيارات والعقارات) ستنخفض معه، مما يحافظ على القوة الشرائية للمدخر.
وأشار إلى تحول الذهب إلى “مادة خام للمضاربة” في السوق المحلي، وهو ما أدى إلى خسائر فادحة للكثيرين، فالمضاربة تعتمد على العامل النفسي للمستثمر، وتحديدًا الخوف والطمع.
أضاف، أن الطمع، يتمثل في الصعود المستمر الذي يقنع الناس بأن السعر لن يعود، فيشترون من القمم، والخوف يتمثل في الهبوط المتوالي الذي يدفع الناس للبيع بخسارة خوفًا من المزيد من الانخفاض.
لفت، إلى أن المضارب المحترف هو من يدرك قواعد اللعبة ويتحمل الخسارة كما يتحمل المكسب، ويقوم بـ “جني الأرباح” عند الارتفاعات و”الشراء على أجزاء” عند الانخفاضات.
تابع، أما المواطن العادي الذي يدخل السوق دون فهم، فإنه يتحول إلى جزء من “القطيع” الذي يبيع عندما تنخفض الأسعار ويشتري عندما ترتفع، وهو سلوك اقتصادي خاطئ.
وأشار فهيم إلى أن الخلط بين السبائك والمشغولات يُعد من أكثر الأخطاء شيوعًا في السوق، موضحًا أن السبائك تمثل أداة ادخار منخفضة التكلفة، بينما تُعد المشغولات منتجًا استهلاكيًا تتحمل مصنعية وضرائب مرتفعة، ما يقلل من جدواها الادخارية عند إعادة البيع.
النظرة المستقبلية ونصائح استثمارية
قال فهيم، الخبير الاقتصادي، إن الارتفاعات القياسية التي تشهدها أسعار الذهب عالميًا ومحليًا لا تعكس مجرد موجة مضاربة عابرة، بل تمثل تحولًا عميقًا في بنية السوق العالمية، وطبيعة ملكية المعدن النفيس، ودوره داخل النظام المالي الدولي.
وأوضح فهيم أن الذهب لم يعد يُنظر إليه فقط كملاذ آمن للأفراد، بل أصبح أداة سيادية في يد البنوك المركزية والدول، التي تسعى إلى إعادة هيكلة احتياطياتها النقدية بعيدًا عن الاعتماد المطلق على الدولار الأمريكي.
وقال، إن الذهب محاصر بين أمرين صعبين: استمرار الهجوم عليه (شراء الدول)، واحتمالية أن يشهد “فقاعة” بعد ارتفاعات معينة.
أضاف، وطالما دخل الذهب في الإطار المضاربي، فمن الوارد أن يرتفع إلى 5000 دولار عالميًا، ثم يشهد تصحيحًا عنيفًا يعيده إلى 3500 دولار.
وأكد فهيم، أن أي جرام ذهب يتم شراؤه والاحتفاظ به على المدى الطويل هو كسبان لا محالة، وهو أفضل تحوط ضد أي حدث اقتصادي محلي أو عالمي.
وأضاف، وفي الارتفاعات، يُنصح بـ البيع وجني الأرباح، وفي الانخفاضات، يُنصح بـ الشراء على أجزاء، لا شراء في القمم ولا بيع في القيعان.
وأشار، فهيم، إلى أن الذهب، هو الأفضل لمن لا يحتاجون إلى دخل شهري متكرر، في حين يُنصح بالعقار فقط لمن يهدف إلى تحقيق عائد متكرر (إيجار)، ويجب أن يتم الشراء بسعر متوازن ومتزن، مع التحذير من الدخول في السوق العقاري الحالي بسبب الأسعار العالية واحتمالية وجود “فقاعة عقارية”.
ولفت إلى ضرورة إيجاد حلول هيكلية للسوق المحلي، أبرزها إنشاء رابطة لتجار القطاعي، تكون كيانًا مقننًا يمثلهم ويدافع عن مصالحهم، ويساعد على توعية الأفراد بالفرق بين تاجر القطاعي وتاجر الجملة، مما يساهم في استقرار السوق ووقف الممارسات الخاطئة التي تضر بالعميل والتاجر على حد سواء.
كما يُشدد على أن هيئة الدمغة والموازين هي الجهة الرسمية الوحيدة المختصة بالتقاضي والتأكد من سلامة الذهب.
وأكد فهيم تصريحاته بالتأكيد على أن الذهب لم يعد مجرد أداة ادخار فردية، بل أصبح جزءًا من معركة إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، محذرًا من التعامل معه بعقلية المضاربة قصيرة الأجل، والفارق بين الرابح والخاسر في سوق الذهب لا يتعلق بالسعر بقدر ما يتعلق بالهدف، مشددًا على أن السؤال الحاسم دائمًا هو: هل يتم شراء الذهب للتحوط طويل الأجل… أم بدافع المقامرة؟