في خضم أسبوع استثنائي من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، كان التحرك الأكثر إثارة في الأسواق هو غياب الاستجابة التقليدية للذهب كملاذ آمن. فبدلاً من اندفاع المستثمرين نحو المعدن الأصفر، اتجهت السيولة بشكل مكثف إلى الدولار الأمريكي، في تحوّل مفاجئ أربك رهانات كثيرة بُنيت على صعود الذهب خلال العام الماضي.
التحليل الذي نشرته وكالة Reuters بقلم مايك دولان، أشار إلى أن الذهب أخفق في أداء “دوره المعتاد” بعد الهجمات التي استهدفت إيران مطلع الأسبوع. فبعد موجة ارتفاع أولية، تلاشى الزخم سريعًا، ليسجل المعدن النفيس تراجعًا حادًا بنسبة 4% الثلاثاء، بينما هبطت الفضة بنحو 10% في ذروة التقلبات.
الدولار يتفوق رغم خسائر الأسهم والسندات
السبب الأبرز لهذا الانعكاس تمثل في عودة “علاوة الأمان” إلى العملة الأمريكية. فقد ارتفع مؤشر الدولار (.DXY) هذا الأسبوع، رغم تعرض الأسهم والسندات الأمريكية لضغوط قوية. هذا السلوك يعكس لجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية المقومة بالدولار، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز المسعّرة بالعملة الأمريكية، وما يرافق ذلك من طلب إضافي على النقد.
كما أن اقتصادات أوروبا وآسيا تبدو أكثر عرضة لاضطرابات إمدادات الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة، ما عزز مكانة الدولار كأصل دفاعي في هذه المرحلة، وأضعف جاذبية الذهب المقوم به.
تدخل سويسري يضغط على الملاذات التقليدية
من العوامل الأخرى التي ساهمت في تراجع الذهب، العلاقة الوثيقة بينه وبين الفرنك السويسري كملاذين تقليديين. إلا أن تحذيرًا استثنائيًا من البنك الوطني السويسري بشأن إمكانية التدخل لبيع الفرنك، أدى إلى انعكاس سريع في العملة، ومعه تراجعت رهانات الملاذات الآمنة عمومًا، بما في ذلك الذهب.
جني أرباح بعد موجة صعود تاريخية
التفسير الأكثر واقعية ربما يتمثل في أن الذهب كان بالفعل من بين أفضل الأصول أداءً في 2026 قبل اندلاع الضربات، بعد أن قفز إلى مستويات قياسية واقترب من مضاعفة سعره خلال عام واحد.
فقد جاء الذهب والفضة في المركزين الثاني والثالث من حيث الأداء هذا العام، بعد مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي، الذي كان قد سجل مكاسب تقارب 50% منذ بداية العام قبل أن يتراجع بأكثر من 7% عقب عودة التداولات. كذلك تراجع مؤشر نيكاي الياباني بأكثر من 4% بعد مكاسب قاربت 15% قبل عطلة نهاية الأسبوع.
في بيئة يسودها ارتفاع حاد في التقلبات ومخاطر صدمة طاقة جديدة، يبدو أن العديد من المحافظ الاستثمارية فضّلت رفع مستويات السيولة وجني الأرباح من الأصول التي حققت أفضل أداء.
هل يتغير السرد حول “أفول الدولار”؟
تصريحات نائب مدير عام صندوق النقد الدولي، دان كاتز، أكدت أن سلوك الدولار هذا الأسبوع يرسخ مكانته كقلب النظام النقدي الدولي، وأن دوره كملاذ آمن لا يزال قائمًا بقوة.
الرسالة الضمنية في تحركات هذا الأسبوع واضحة: إذا كان الصعود شبه الرأسي للذهب خلال العام الماضي قد استند إلى سرديات “نهاية هيمنة الدولار”، فإن عودة العملة الأمريكية بقوة في لحظة اختبار جيوسياسي حاد قد تفرض إعادة تقييم لهذه الفرضيات.
الذهب قد يعاود الصعود لاحقًا مدفوعًا بعوامل أخرى، لكن أحداث هذا الأسبوع أعادت التذكير بأن الملاذات الآمنة ليست ثابتة في أدائها، وأن الدولار لا يزال اللاعب الأكثر رسوخًا عند اشتداد العواصف.

















































































