قال الخبير الاقتصادي والمتخصص في شؤون أسواق الذهب، طاهر مرسي، إن الارتفاعات التاريخية التي يشهدها الذهب حاليًا لم تكن مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التحولات الاقتصادية والجيوسياسية، بدأت ملامحه تتشكل بوضوح منذ عام 2019، مع دخول الاقتصادات المتقدمة في حالة ركود عميق.
وأشار مرسي إلى أن تلك المرحلة شهدت محاولات لتعطيل مسار التعافي العالمي، مستخدمة أزمات صحية كغطاء لإبطاء تقدم الاقتصادات المنافسة، موضحًا أنه مع فشل هذه الأدوات، انتقل النظام العالمي إلى مرحلة أكثر خطورة، قوامها تصاعد الصراعات العسكرية والتوترات الجيوسياسية.
وأضاف أن بؤر الصراع التي حذّر منها في وقت مبكر، مثل أوكرانيا وتايوان والقطب الشمالي، إضافة إلى احتمالات اتساع التوترات في الشرق الأوسط، تحولت من سيناريوهات نظرية إلى وقائع ضاغطة، شكلت بيئة مثالية لانطلاق الذهب كأداة تحوط رئيسية.
وأوضح مرسي أن الفرصة التاريخية الحقيقية لبناء الثروات عبر الذهب كانت متاحة قبل سنوات، حين بدأ المعدن النفيس منذ مطلع عام 2020 في مسار صعودي غير مسبوق، نجح خلاله في كسر قمته التاريخية السابقة عند 1922 دولارًا للأوقية، والتي كان قد سجلها في سبتمبر 2011.
ولفت إلى أن الانطلاقة الأهم جاءت في نوفمبر 2022، في مفارقة واضحة مع النظريات الاقتصادية التقليدية، حيث واصل الذهب الصعود رغم الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة على الدولار، مؤكدًا أن ذلك شكّل دليلًا عمليًا على فقدان أداة الفائدة لفاعليتها كوسيلة للسيطرة على الأزمات الاقتصادية.
وأكد مرسي أن السياسات النقدية فقدت قدرتها على احتواء الاختلالات الهيكلية، ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة في الدولار نفسه، ودفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل لحماية احتياطياتها والتحوط من مخاطر النظام النقدي القائم، وكان الذهب المستفيد الأكبر من هذا التحول، في إطار ما وصفه بـ”الانقلاب الناعم” على النظام الورقي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية.
وأضاف أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتسارع سباق التسلح، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، كلها عوامل عززت الزخم الصعودي للذهب، في ظل تآكل الثقة بالقانون الدولي وتراجع الحلول الدبلوماسية، واعتبار القوة أداة الحسم الرئيسية في النزاعات الدولية.
وأشار مرسي إلى أن الذهب نجح خلال عام واحد فقط في تجاوز كل المستويات التي كانت تُعد خيالية، ليلامس نطاقات 3000 و4000 دولار للأوقية، مع اقترابه من مستوى 5000 دولار، في وقت تشهد فيه الأسواق المالية الأمريكية تضخمًا غير مسبوق في القيمة الاسمية للأصول، مدعومًا بسياسات ضخ السيولة المستمرة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
وأوضح أن هذا التأجيل المستمر لانفجار الأزمة يحمل في طياته أكبر مخاطرة في تاريخ الاقتصاد الأمريكي، مشيرًا إلى أن أي انهيار مرتقب – سواء وقع أو لم يقع – سيكون من الصعب احتواؤه عبر الأدوات المالية التقليدية أو طباعة المزيد من الدولار.
وأضاف أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة لتجاوز قواعد النظام الاقتصادي الحالي، والسعي لإعادة تشكيله بما يسمح بإعادة هيكلة ديونها، رغم الشكوك الكبيرة حول قدرة هذا المسار على تحقيق الاستقرار في ظل المتغيرات الدولية الراهنة.

هل نشتري الذهب الآن؟
وحول جدوى الشراء عند المستويات الحالية، قال طاهر مرسي إن الأسعار المرتفعة لا تُعد بطبيعتها فرصًا مثالية للشراء، سواء في الذهب أو في أي أصل حقيقي أو مالي، مؤكدًا أن ما يبدو مرتفعًا اليوم قد يُنظر إليه مستقبلًا على أنه منخفض نسبيًا، لكن ذلك وحده لا يشكّل محفزًا كافيًا للدخول القوي للسوق.
وأوضح أن تحليله يستند إلى رؤية استراتيجية طويلة الأجل، مناسبة لاستثمارات تمتد لثلاث سنوات على الأقل، وتتجاوز التقلبات السعرية المؤقتة التي قد تحدث خلال مسار الصعود.
واختتم مرسي بالتأكيد على أهمية اتباع استراتيجية تقسيم رأس المال، من خلال الشراء التدريجي على مراحل، بدءًا من المستويات الحالية بجزء محدود، ثم تعزيز المراكز في حال حدوث تصحيحات سعرية قوية، بما يسمح ببناء متوسط سعر متوازن يقلل من مخاطر الشراء عند القمم.


















































































