تتجه الدولة المصرية إلى إنشاء لجنة حكومية عليا للإشراف على سوق الذهب، في خطوة استراتيجية تستهدف تنظيم تداول المعدن النفيس وضبط آليات التسعير والرقابة، في ظل الارتفاعات القياسية التي يشهدها الذهب محليًا وعالميًا، وما تفرضه من تحديات اقتصادية وتجارية.
ومن المقرر أن تصدر رئاسة مجلس الوزراء قرارًا بتشكيل اللجنة برئاسة رئيس الوزراء، وعضوية عدد من الوزراء وكبار المسؤولين المعنيين بالسياسات النقدية والمالية والصناعية، بما يعكس الأهمية المتزايدة للذهب كأحد الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد المصري.
تشكيل متكامل يضم جهات الدولة المعنية
وتضم اللجنة المرتقبة كلًا من: وزير الصناعة والنقل، ووزير البترول والثروة المعدنية، ووزير المالية، ووزير الاستثمار، ووزير التموين، ووزيرة التخطيط، إلى جانب محافظ البنك المركزي، ورئيس هيئة الرقابة المالية، ورئيس جهاز حماية المنافسة، بما يضمن تنسيقًا شاملًا بين مختلف الجهات ذات الصلة.
وتهدف اللجنة إلى وضع إطار مؤسسي موحد لإدارة سوق الذهب، ومتابعة تحركات الأسعار، وتعزيز الشفافية، والحد من الممارسات غير المنضبطة، مع تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وحماية المستهلك، ودعم الصناعة المحلية، وتعظيم القيمة المضافة للمشغولات والمنتجات الذهبية.
تقلبات سعرية تفرض تدخلًا تنظيميًا
ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه سوق الذهب تقلبات حادة، إذ ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 إلى نحو 6 آلاف جنيه، مدفوعًا بالصعود القوي للأسعار العالمية، والضغوط التضخمية، وتراجع العملات، فضلًا عن تزايد الطلب على الذهب كملاذ آمن. وخلال عام 2025، سجل المعدن النفيس ارتفاعًا لافتًا بنحو 63%، ما عزز الحاجة إلى تدخل مؤسسي منظم لضبط السوق.
رؤية أشمل تمتد من التعدين إلى التجارة
ولا يقتصر دور اللجنة على تنظيم التداول المحلي فحسب، بل يأتي ضمن رؤية استراتيجية أشمل تستهدف تعظيم مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة وتجارة الذهب، مستندة إلى النجاحات التي حققها القطاع خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها منجم السكري، أكبر مناجم الذهب في البلاد.
وكشفت مصادر مطلعة أن اللجنة ستعمل على توحيد السياسات التشريعية والتنظيمية الحاكمة لقطاع الذهب، بما يسهم في جذب الاستثمارات، وتوسيع نطاق الاستكشافات الجديدة، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الثروة المعدنية.
مؤشرات قوية لقطاع التعدين
وسجل إنتاج منجم السكري نموًا ملحوظًا خلال النصف الأول من عام 2025، بنسبة زيادة بلغت 9%، ليصل إلى 246 ألف أوقية من الذهب، مقابل 225 ألف أوقية خلال الفترة نفسها من عام 2024، وفق بيانات رسمية. وأرجعت شركة «أنجلو جولد أشانتي» المالكة للمنجم هذا الأداء إلى تحسن جودة الخامات وارتفاع معدلات الاستخلاص.
وفي سياق متصل، عززت مصر مكانتها على خريطة الذهب العالمية بامتلاكها أول مصفاة ذهب معتمدة دوليًا، تديرها شركة «سام مصر للمعادن الثمينة»، والتي نجحت في تصدير ذهب بقيمة تقارب 5 مليارات دولار خلال الفترة من 2024 وحتى مطلع 2025، إلى أكثر من 143 دولة.
كما صدّق وزير البترول والثروة المعدنية، المهندس كريم بدوي، على 53 قرارًا خلال الربع الأخير من عام 2025، شملت إصدار تراخيص للبحث والاستغلال لعدد من الخامات التعدينية، ضمن خطة موسعة لتنشيط القطاع.
وفي خطوة داعمة أخرى، رفعت شركة شلاتين للثروة المعدنية كميات الذهب المسلمة إلى البنك المركزي بنسبة 29.45% خلال عام 2025، لتصل إلى 945 كيلو جرامًا، مدفوعة بتوسع أنشطة التنقيب.
مصر على أعتاب مركز أفريقي للذهب
ويتزامن ذلك مع إعلان البنك المركزي المصري، في ديسمبر 2025، توقيع مذكرة تفاهم مع «أفريكسيم بنك» لإنشاء بنك أفريقي متخصص في الذهب مقره مصر، بهدف دعم احتياطيات البنوك المركزية الأفريقية، وتقليل الاعتماد على مراكز التكرير والتداول خارج القارة، وتنظيم صناعة الذهب ضمن منظومة رسمية متكاملة.
ويرى محللون أن تشكيل اللجنة الحكومية العليا يمثل خطوة مفصلية في إدارة ملف الذهب بمصر، وقد يمهد لإطلاق سياسات أكثر كفاءة في مجالات التسعير، والاستيراد، والتصدير، والتصنيع، بما يعزز استقرار السوق ويرسخ ثقة المستثمرين محليًا ودوليًا.



















































































