في ظل التحولات العميقة التي يشهدها سوق الذهب المصري، عاد الجدل حول السبائك الذهبية الصغيرة وأثرها على صناعة المشغولات إلى الواجهة، مع تزايد المطالبات بإعادة التوازن بين منتجات الادخار الاستثماري والمشغولات الذهبية .
وقال عبد العال سليمة، نائب رئيس شعبة الذهب في كفر الشيخ، إن الحديث عن فرض قيود على تصنيع السبائك الصغيرة بأوزان تتراوح بين ربع جرام وجرام واحد، “غير منطقي”، مؤكدًا عدم وجود أي قانون أو جهة حكومية يمكنها منع هذا النوع من التداول، كما لا توجد مقترحات رسمية بهذا الشأن.
وأضاف سليمة أن أسعار الذهب في السوق تتحدد وفق آليات العرض والطلب، مشيرًا إلى أن الفترة الأخيرة شهدت استقرارًا نسبيًا، حيث تراوحت فروق الأسعار المحلية والعامية بين 50 و60 جنيهًا للجرام، قبل أن يتسع الفارق مع زيادة الطلب المحلي ليصل أحيانًا إلى 100–150 جنيهًا.
وأوضح أن التعامل العقلاني من قبل العملاء، عبر تهدئة السوق وعدم التسرع في الشراء بكميات كبيرة دفعة واحدة، يساهم بشكل مباشر في استقرار الأسعار.
من جانبه، رأى هاني باقي، رئيس شركة “مارجير جولد”، أن انتشار السبائك الصغيرة لا يُعد السبب الرئيسي في ركود سوق المشغولات، موضحًا أن السبيكة منتج استثماري، بينما المشغولات منتج استهلاكي وزخرفي، ولا يمكن فرض قيود على أحدهما لصالح الآخر.
وقال: “لا يصح أن نطالب مصنع سبائك أو شركة متخصصة بأن تقلل إنتاجها أو تتوقف عن طرح منتج مطلوب في السوق، لأن هذا يتعارض مع منطق السوق نفسه. المستهلك هو من يختار المنتج الذي يرغب فيه.”
وأضاف أن الاتجاه نحو الاستثمار والادخار يعكس طبيعة الطلب الحالية، مشيرًا إلى أن الكثير من العملاء يصرحون بأن هدفهم الادخار وليس الزينة، وبالتالي فإن ربط ركود المشغولات بانتشار السبائك غير دقيق.
وأكد سامح عبد الحكيم، تاجر ذهب، أن الدعوات المطالبة بتقييد إنتاج أوزان معينة من السبائك “غير قابلة للتطبيق عمليًا”، رغم تفهمه لدوافعها في ظل حالة الركود التي يشهدها قطاع المشغولات.
وأوضح أن مصانع السبائك تعمل بتراخيص رسمية وتخضع لإجراءات الدمغ، وتدر عوائد مباشرة للدولة، مشيرًا إلى أن أي حديث عن منع هذا النشاط يفتقر للأساس القانوني والعملي.
وأكد أن الحلول الواقعية لتحريك سوق المشغولات يجب أن تركز على تحفيز الطلب، وتطوير التصميمات، وتحسين آليات التسويق، ودراسة سياسات ضريبية وتشريعية متوازنة، بدلًا من تعطيل قطاع استثماري قائم.
من جهة أخرى، قال أيمن توفيق، تاجر ذهب، إن شريحة كبيرة من المشترين لهذه الأوزان—تصل إلى نحو 70–80%—هم رجال، وليس السيدات كما يُشاع.
وأوضح أن الهدف الأساسي للشراء هو الادخار والاستثمار، بحيث يتم تجميع قيم صغيرة على شكل سبائك، قبل تحويلها لاحقًا إلى مشغولات في مناسبات مثل الزواج.
وأضاف: “السبائك الصغيرة لم تنسحب من سوق المشغولات، بل خلقت شريحة جديدة من العملاء، تختلف سلوكياتهم واحتياجاتهم عن عملاء المشغولات التقليدية.”
وفي نفس السياق، أشار سعد سليمة، نائب رئيس مجلس إدارة شركة “سليمة جولد”، إلى أن السبائك الصغيرة تُعد بوابة دخول لعملاء جدد، لا ينافسون المشغولات، موضحًا أن أغلب الطلب على الأوزان الصغيرة مصدره الرجال من الفئات الشعبية والمتوسطة، والهدف هو الاحتفاظ بالقيمة وليس الزينة، مع إمكانية تحويلها لاحقًا إلى مشغولات.
ويأتي هذا النقاش في ظل مقترح طرحه جاك رأفت، رئيس مجلس إدارة “جاك جروب”، يهدف إلى الحد من إنتاج السبائك الصغيرة الأقل من الأوقية، من أجل إعادة التوازن بين منتجات الادخار الاستثماري والمشغولات الاستهلاكية، وحماية الصناعة الحرفية من التراجع. ويرى رأفت أن استمرار التوسع في إنتاج السبائك الصغيرة قد يحوّل السوق إلى مجرد سوق ادخاري جامد، يفتقر للتنوع والابتكار، ما يهدد القيمة المضافة لصناعة الذهب المحلية.
ويشير خبراء إلى أن الاتجاه الحالي نحو الادخار والاستثمار في الذهب جاء مدفوعًا بعدة عوامل اقتصادية، أبرزها ارتفاع الأسعار، ضعف القوة الشرائية، وعدم اليقين المالي، وهو ما عزز الطلب على السبائك على حساب المشغولات. ويؤكد هؤلاء أن أي تدخل إداري لتقييد المنتجات القانونية أو إجبار المستهلك على اختيار نوع معين من الذهب لن يكون قابلاً للتطبيق، وأن الحلول يجب أن تكون قائمة على تحفيز الطلب وتعزيز الابتكار في المشغولات.
وفي ظل هذا السياق، يقف سوق الذهب المصري أمام مفترق طرق يحتاج إلى موازنة دقيقة بين استدامة الصناعة، حماية القدرة الشرائية للمستهلك، وتشجيع الادخار والاستثمار، لضمان استمرارية القطاع وتنوع منتجاته بما يلبي احتياجات جميع الفئات.



















































































