هل الذهب سلعة قابلة للانهيار؟
قال زرعي، أنه عند النظر إلى الذهب كسلعة، يصبح من الضروري تحليل معادلة العرض والطلب، فالسلعة بطبيعتها تخضع لقوى السوق، وإذا زاد المعروض أو تراجع الطلب، يمكن أن تنخفض الأسعار، لكن واقع سوق الذهب الحالي يكشف صورة مختلفة تمامًا.
يؤكد أسامة زرعي أن عام 2022 مثل نقطة تحول محورية، حيث انتقل العالم من “مدرسة الذهب القديمة” إلى “مدرسة جديدة” تعيد تعريف المعدن الأصفر، فلم يعد الذهب مجرد أداة للزينة أو “غويشة” تُلبس، بل تحول إلى سلعة استراتيجية دخلت بقوة في صلب احتياطيات البنوك المركزية وصناديق الاستثمار الكبرى للتحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية.
من يشتري الذهب الآن؟ ولماذا؟
أوضح زرعي أن البيانات تشير إلى أن المشترين الرئيسيين للذهب خلال الفترة الأخيرة ليسوا المضاربين، بل البنوك المركزية، وصناديق الاستثمار، والمؤسسات الكبرى، إلى جانب الأفراد، هذا الشراء لا يتم بهدف تحقيق أرباح سريعة، وإنما في إطار إعادة توزيع الأصول داخل الميزانيات، والتحوط من مخاطر النظام المالي العالمي.
وأضاف، أن الذهب، إذا ما تم التعامل معه كسلعة، فإن أي نقص في المعروض أو زيادة في الطلب يعني بالضرورة استمرار الضغط الصعودي على الأسعار. فالعرض العالمي للذهب محدود بطبيعته، ولا يمكن زيادته بسرعة استجابة لتحركات السوق.
مصادر العرض وحدودها
وأشار زرعي، إلى أن المعروض العالمي من الذهب يعتمد على أربعة مصادر رئيسية: إنتاج المناجم، وإعادة تدوير الذهب، والإقراض والتأجير بين البنوك، ومخزونات البنوك المركزية المعروضة للبيع. وفي المقابل، يتوزع الطلب على عدة قطاعات تشمل البنوك المركزية، وصناديق الاستثمار، والمجوهرات، والقطاع التكنولوجي، إضافة إلى الطلب الورقي عبر أسواق العقود الآجلة والخيارات.
وكشفت البيانات أن إنتاج المناجم في عام 2024 بلغ نحو 4400 طن، فيما كان الطلب قريبًا من هذا الرقم بل تجاوزه قليلًا، ومع دخول عام 2025، اتسعت الفجوة بين العرض والطلب بشكل ملحوظ، ففي الربع الأول بلغ الإنتاج نحو 855 طنًا مقابل طلب تجاوز 1200 طن، وتكرر الأمر في الربع الثاني مع إنتاج 909 أطنان مقابل طلب بلغ 1250 طنًا.
وأكد زرعي أن هذه الأرقام تشير إلى أن السوق لا يعاني من فقاعة سعرية بقدر ما يعاني من اختلال هيكلي في ميزان العرض والطلب، مضيفًا: «ما يحدث اليوم من ارتفاعات هو شراء حقيقي وليس بهدف مضاربي خالص؛ إنه إعادة هيكلة للبنية التحتية المالية لكل شخص ومؤسسة وبنك مركزي».
وأشار أيضًا إلى أن سوق الذهب يواجه تحديات عدة، منها ارتفاع تكلفة استخراج الأونصة لتتراوح بين 1300 و1500 دولار، وزيادة تكاليف فتح المناجم بثلاثة أضعاف خلال 15 عامًا، بالإضافة إلى أن فتح منجم جديد يحتاج من 5 إلى 10 سنوات للبدء في الإنتاج الفعلي. وبالنظر للتوقعات المستقبلية، يُتوقع أن يواجه السوق العالمي عجزًا يتراوح بين 300 و400 طن سنويًا بحلول عام 2027.
لماذا ارتفع الطلب إلى هذه المستويات؟
يرى زرعي أن الطلب المتزايد على الذهب يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية: مالية، ونقدية، ونفسية، فالتوترات الجيوسياسية، وتصاعد السياسات الحمائية، وتزايد الحديث عن فرض تعريفات جمركية، كلها عوامل دفعت الأفراد والدول إلى البحث عن ملاذات آمنة.
أضاف، أن قضية تجميد الأصول الروسية في عام 2022 لعبت دورًا محوريًا في تغيير نظرة العالم إلى الدولار، حيث اعتُبر ذلك الحدث نقطة فاصلة بين ما يمكن تسميته بمدرسة الذهب القديمة ومدرسة الذهب الجديدة، فقد أدى تسييس الدولار إلى فقدان الثقة فيه كعملة محايدة، ودفع الدول إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب.
الذهب كسلاح مالي: التجربة الروسية
أشار زرعي إلى مفهوم خطير وهو “تسييس الدولار”، والذي بدأ بوضوح بعد تجميد الأصول الروسية في عام 2022، هذا الإجراء دفع الدول إلى البحث عن بدائل حقيقية للكاش والسندات الأمريكية.
بازل 3 وتغيير مكانة الذهب
مع تطبيق معايير بازل 3، تغيّر تصنيف الذهب داخل الميزانيات البنكية، حيث أصبح يُعامل كأصل مالي عالي السيولة، يعادل النقد، بعد أن كان يُحتسب سابقًا بنصف قيمته فقط. هذا التحول عزز من جاذبية الذهب لدى المؤسسات المالية الكبرى.
انتقال مركز تسعير الذهب شرقًا
يشير زرعي إلى أن القوة المحركة لسوق الذهب بدأت تنتقل تدريجيًا من لندن ونيويورك إلى شنجهاي، فقد أصبحت البورصة الصينية لاعبًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات الأسعار، مدفوعة بارتفاع الطلب الآسيوي، وتزايد دور الصين كمشترٍ استراتيجي للذهب، سواء المعلن أو غير المعلن.
فالصين تشتري الذهب “سراً” بكميات تفوق المعلن بكثير، وأصبح إغلاق بورصة شنجهاي هو المحرك الرئيسي لأسعار لندن في اليوم التالي.
إعادة تسعير الذهب ودور البنوك المركزية
تُقيّم البنوك المركزية الذهب في ميزانياتها بثلاث طرق: سعر السوق، أو القيمة الدفترية، أو طريقة هجينة تجمع بين الاثنين. ويتيح ذلك للدول مرونة محاسبية كبيرة، خاصة للدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة مثل الولايات المتحدة، التي تمتلك أكثر من 8133 طنًا من الذهب، لا تزال مُسعّرة محاسبيًا عند مستويات تاريخية منخفضة.
ويرى زرعي أن إعادة تسعير الذهب يمكن أن تُستخدم كأداة غير مباشرة لتخفيض الديون، من خلال إضعاف قيمة العملة ورفع قيمة الأصول، وهو ما حدث جزئيًا في سبعينيات القرن الماضي.

الذهب مقابل السندات: معركة الأصول
قال زرعي، إن مقارنة حجم سوق الذهب بسوق السندات الأمريكية تكشف فجوة كبيرة في السيولة، حيث لا تتجاوز السيولة اليومية في سوق الذهب 150 مليار دولار، مقابل تريليونات في سوق السندات.
وأوضح أن مجرد تحويل 1% فقط من أموال السندات إلى الذهب قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في الأسعار، قد تدفع الأونصة إلى مستويات تتجاوز 5000 دولار.
وأضاف زرعي أن حجم سوق السندات الأمريكية يبلغ نحو 30 تريليون دولار، بينما تقدر قيمة كل الذهب المستخرج في العالم بحوالي 31 تريليون دولار، اعتمادًا على 7 مليارات أوقية بس عر 4560دولارًا للأوقية.
وأكد أن تحويل 1% من سيولة السندات إلى الذهب سيستلزم نحو 2166 طنًا إضافيًا من المعدن الأصفر، أي ما يعادل إنتاج المناجم العالمي لمدة سنة ونصف، وهو سيناريو قادر على دفع سعر الأوقية إلى نطاق يتراوح بين 5000 و6500 دولار.
هل انفصل الذهب عن الدولار؟
أشار زرعي إلى أن العلاقة التقليدية العكسية بين الذهب والدولار وأسعار الفائدة لم تعد بنفس القوة بعد عام 2022، فقد تراجعت معاملات الارتباط بشكل كبير، ما يعكس تحوّل الذهب من أداة قياس لقوة الدولار إلى أصل مستقل يُستخدم للتحوط من النظام المالي نفسه.
أضاف، إن المدرسة القديمة، كانت تعتمد على علاقة عكسية واضحة (بيتا 0.8-0.9)؛ إذا ارتفع الدولار 1% ينخفض الذهب بنسبة مماثلة تقريبًا، أما اليوم، فقد انخفضت هذه النسبة إلى 0.35 للدولار و0.18 للفائدة الأمريكية، فهذا يعني أن الذهب أصبح يتحرك كأصل مستقل، حيث يشتري المستثمرون الذهب للتحوط من الدولار نفسه، مما يفسر صعودهما معاً في آن واحد.
ولفت، إلى أنه في ظل هذه التحولات، يظل الذهب، «الأصل الحقيقي لكل ما هو ملموس»، وأحد أعمدة النظام المالي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا.
الذهب في الثقافة المصرية
يشدد زرعي على أن الذهب في مصر ليس مجرد استثمار، بل عنصر ثقافي واجتماعي، يُنظر إليه كدرع حماية أول للأسرة. فامتلاك بضعة جرامات من الذهب يمنح شعورًا بالأمان يفوق الاحتفاظ بالنقود في البنوك.


















































































