يحتل الذهب مكانة مركزية في حياة الإيرانيين بوصفه أصلًا تقليديًا راسخًا، إلى درجة أن الارتفاع الحاد في أسعاره مؤخرًا انعكس تأثيره على شرائح واسعة من المجتمع، وبصورة أشد من تقلبات بورصة طهران نفسها، ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، تحولت أسعار الذهب في إيران إلى مقياس مباشر للحالة السياسية في البلاد.
وبفعل الغضب من الأوضاع الاقتصادية، خرج المتظاهرون إلى الشوارع في غالبية المحافظات الإيرانية، فيما لا تبدو وتيرة الاحتجاجات أو المواجهات العنيفة في طريقها إلى التراجع.
الذهب كـ«ضمان اجتماعي»
في الثقافة الإيرانية، لطالما لعب الذهب دورًا يشبه «الضمان الاجتماعي»، ولا سيما بالنسبة لربّات البيوت، فهو يمنحهن قدرًا نادرًا من الاستقلالية، سواء من خلال مدخرات صغيرة يتم اقتطاعها من ميزانيات الأسر، أو عبر «المهر» الذي يلتزم العريس بدفعه للعروس، ليكون بمثابة ضمان مالي في حال الطلاق، ولا يزال شراء العريس لمشغولات ذهبية فاخرة لعروسه أحد أكبر بنود الإنفاق في طقوس الزواج بإيران.
وعلى الرغم من أن الذهب يُعد ملاذًا آمنًا للمستثمرين حول العالم، فإنه في إيران يشكل حجر الأساس للتخطيط الأسري طويل الأجل، إذ يُنظر إليه كالأداة الرئيسية للتحوط من الأزمات المالية أو الادخار لشراء منزل مستقبلي، ويعود ذلك إلى عوامل ثقافية، إضافة إلى عدم استقرار قيمة العملة المحلية، الريال.
الانهيار الكبير: فقدان 94% من القوة الشرائية
خلال السنوات الأخيرة، غيّر انهيار الريال أمام الدولار واندلاع موجات التضخم الجامح المشهد الاقتصادي بالكامل.
وتشير البيانات الرسمية للبنك المركزي الإيراني إلى أن الاقتصاد سجل متوسط معدل تضخم سنوي بلغ 43% خلال السنوات الثماني الماضية، وبصورة تراكمية، يعني ذلك أن متوسط أسعار السلع والخدمات قفز بأكثر من 17 ضعفًا، ما أدى فعليًا إلى تآكل نحو 94% من القوة الشرائية للسكان.
في 6 يناير 2018، كان سعر الدولار في السوق الحرة بطهران عند 42,990 ريالًا، وبحلول 6 يناير 2026، وصل إلى 1,470,000 ريال، بزيادة بلغت 3,319%.
وفي إيران، يوجد سعر صرف رسمي «مصطنع» وسعر أعلى في السوق الحرة، وبعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018، حددت الدولة سعرًا مدعومًا للواردات الأساسية، لكنه بات متاحًا في الغالب للمقربين من السلطة، لا لعامة المواطنين.
صعود «محركين» في آن واحد
في الفترة من 2018 إلى 2026، ارتفع السعر العالمي للذهب بنحو 230%، غير أن سعر جرام الذهب عيار 18 — الأكثر شيوعًا في إيران — قفز من 1,387,000 ريال إلى 160,550,000 ريال، أي بزيادة هائلة بلغت 11,475%، ما يعني تضاعف السعر أكثر من 115 مرة.
ولو ظل السعر العالمي للذهب ثابتًا، لكان الذهب في إيران قد ارتفع «فقط» بقدر صعود الدولار. لكن الارتفاع العالمي في أسعار الذهب ضاعف من حدة الصدمة الاقتصادية.
والأثر الإنساني لهذه المعادلة بالغ القسوة. قبل ثماني سنوات، كان العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور (نحو 10 ملايين ريال) قادرًا على شراء أكثر من 6.8 جرام من الذهب عيار 18. أما اليوم في 2026، ورغم ارتفاع الحد الأدنى للأجور عشرة أضعاف ليصل إلى 100 مليون ريال، فلا يستطيع العامل شراء أكثر من 0.6 جرام فقط.
من زينة إلى «سلاح اقتصادي»
يرى خبراء أن تجاوز أسعار الذهب لنمو الأجور بهذا الشكل العنيف أفقد الذهب دوره كأداة استثمار تقليدية أو وسيلة تحوط للطبقة الوسطى، ليصبح اقتناؤه محاولة يائسة لتفادي السقوط في الفقر المدقع.
ويتجلى هذا التحول في سلوك السوق، فالإيرانيون، الذين اعتادوا شراء الذهب كمجوهرات تجمع بين الزينة والادخار، باتوا عاجزين عن تحمّل تكاليف المصنعية المرتفعة، واتجهوا بدلًا من ذلك إلى الذهب المستعمل، والخردة، والسبائك الصغيرة بوزن جرام واحد.
كما يشير انتشار «الشراء بالتقسيط» إلى أن الذهب انتقل من كونه رفاهية ثقافية إلى «سلاح اقتصادي»، فما كان مهرًا لعروس أو صندوق ادخار لتعليم طفل، أصبح اليوم خط الدفاع الأخير في معركة البقاء.
مفارقة عالمية
وفقًا لمجلس الذهب العالمي، احتلت إيران المرتبة الخامسة عالميًا من حيث استهلاك الذهب خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بعد الصين والهند والولايات المتحدة وتركيا.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة لافتة، فبيانات البنك الدولي تُظهر أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إيران بلغ نحو 5,190 دولارات في عام 2024، ما يضعها في شريحة الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، في المرتبة 119 من أصل 197 دولة، ومع ذلك، تعد إيران قوة كبرى في سوق الذهب العالمي.
هذا التباين يثبت أن الإيرانيين يخصصون نسبة أكبر بكثير من دخولهم لشراء الذهب مقارنة بمواطني الاقتصادات المستقرة مثل ألمانيا أو الإمارات، ففي الاقتصاد السليم، تتجه الفوائض إلى الأسهم أو السندات أو البنوك، أما في إيران، فالذهب هو الملاذ الوحيد الموثوق.
«تصويت نهائي بحجب الثقة»
الفجوة الهائلة بين المرتبة 119 لإيران في دخل الفرد، ومرتبتها الخامسة عالميًا في الطلب على الذهب، ليست مجرد رقم، فبالنسبة للمتظاهر في شوارع طهران أو أصفهان، فإن سعر 160 مليون ريال لجرام واحد من الذهب هو شهادة على نظام اقتصادي مختل.
ويُعد هذا الاندفاع نحو الذهب بمثابة «تصويت نهائي بحجب الثقة» عن السياسات الاقتصادية للحكومة، ففي الوقت الذي تدعو فيه وسائل الإعلام الرسمية المواطنين إلى الاستثمار في البورصة أو إيداع مدخراتهم في البنوك، تكشف الطوابير الطويلة أمام محال الذهب وشركات الصرافة عن قصة مختلفة تمامًا، عنوانها فقدان الثقة العميق، والذي أصبح أحد أهم وقود الاحتجاجات في الشارع.
ثمن الخوف
منذ اندلاع الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية أواخر ديسمبر، ارتفع سعر جرام الذهب عيار 18 بنحو 14%، ويعزو متعاملون في السوق هذه القفزة غير المتناسبة إلى ما يصفونه بـ«فقاعة هلع».
ومع الخشية من تصاعد الاحتجاجات ومزيد من الانهيار الاقتصادي، يسارع الإيرانيون إلى تحويل ما لديهم من ريالات إلى ذهب، لما يتمتع به من سيولة عالية وسهولة في النقل خلال الأزمات.
لكن هذا الاندفاع خلق مفارقة جديدة، فالأصل الذي يُفترض أن يوفر الأمان المالي بات يفرض عبئًا إضافيًا يتمثل في الأمان المادي، إذ تجد العائلات نفسها أمام مخاطر متزايدة لحماية مدخراتها الذهبية في بيئة تتسم بقدر متصاعد من الاضطراب وعدم الاستقرار.



















































































